منذ ابتدأ ما عُرف بالانقسام الفلسطيني صيف العام 2007، مارست الأجهزة الأمنية الفلسطينية، سواء منها التي تتبع لمنظمة فتح في الضفة الغربية، أو تلك التي تتبع لمنظمة حماس في قطاع غزة، انتهاكات مختلفة للحريات العامة في المناطق التي تقع تحت سلطتها، وعلى رأس هذه الانتهاكات، الاعتقال والاستدعاء التعسفي للأشخاص على خلفيات تتصل بانتمائهم السياسي أو ممارستهم للحق في التعبير السلمي عن الرأي والاحتجاج، وخصوصاً بحق أولئك الذين يتبعون للحزب الآخر أو يعارضون سياسات المسؤولين ويرفضون تصرفات الأجهزة الأمنية، وبصورة أثرت عميقاً على العلاقات الاجتماعية الفلسطينية والثقة المتبادلة بين أطراف المجتمع.

وصحيحٌ أن مقدار الانتهاكات للحريات العامة كان في الضفة الغربية أكثر منه، عدديّا، مما هو في قطاع غزة، وبفارق كبير، سواء في العام 2015، الذي يرصده هذا التقرير، أو على مدار الأعوام السابقة. لكن الثابت أيضاً أن كلتا المنظومتين في كلتا المنطقتين قد مارستا اعتقالات واستدعاءات تعسفية على خلفيات لها علاقة بالانتماء السياسي والرأي، وأرفقتا هذه الممارسات بعدد من الانتهاكات المتصلة؛ كقمع التظاهرات والاعتصامات السلمية ثم اعتقال القائمين عليها أو من المشاركين فيها، والاعتداء على صحفيين بحكم ممارستهم لعملهم واعتقالهم، إضافة إلى التعذيب.

ويعرض هذا التقرير نماذج وإحصاءات لأهم وأبرز حالات الاعتقال والاستدعاء التعسفي والتعذيب التي قامت بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على خلفيات الانتماء السياسي والتعبير عن الرأي، حيث يوثّق ل1274 حالة اعتقال تعسفي في الضفة الغربية، و117 في قطاع غزة. إضافة إلى 1089 استدعاءً تعسفياً في الضفة الغربية، و98 استدعاءً في قطاع غزة. كما يعرض لأساليب التعذيب التي استخدمتها الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة، وعلى رأسها الضرب والشتم والمعاملة المهينة.

ومن المؤسف أن الجهتين الحاكمتين في الضفة وغزة، وأنصارهما، ترفضان الانتقادات التي توجَّه إليهما في هذا الصدد، وأحياناً تنكرانها. والأهم أن مجرد الحديث عن هذه الانتهاكات يعدّه البعض أحياناً في خانة "تعميق الانقسام" بين الطرفين، فيما لا يُنظر إلى "الانتهاك ذاته" كسبب رئيسي للانقسام، ويُنسى في زحمة الحديث السياسي أن هناك إنساناً يعاني هنا وهناك، فقط بسبب حمله رأياً سياسياً يخالف سياسات الحزب الحاكم.

وعليه، فإن هذا التقرير يهدف إلى لفت النظر إلى "الخنق المركب" الذي يتعرض له الفلسطينيون في ضوء معاناتهم اليومية من الاحتلال من جهة، ومن الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جهة أخرى، ما يجعل هذه الممارسات بمثابة "خنق ثان" للفلسطينيين ومعاناة فوق معاناتهم، ما يستدعي من المسؤولين اتخاذ خطوات أكثر جدية لوقف هذه الانتهاكات بشكل مطلق.

ويهدف هذا التقرير، كذلك، إلى وضع المسؤولين في السلطة الفلسطينية أمام مسؤولياتهم، في ضوء صيرورة فلسطين طرفاً في العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، والذي تعد الأفعال المذكورة في هذا التقرير خرقاً خطيراً له.

ويعنى هذا التقرير كذلك بنقل الصورة للمقررين الخاصين بالأمم المتحدة في المجالات التي جرى انتهاكها، من أجل بذل الجهد بالتواصل مع السلطة الفلسطينية لمنع هذه الانتهاكات مجدداً ومحاسبة المسؤولين عنها وإنصاف الضحايا.

 

اضغط  هنا للاطلاع على التقرير كاملاً