(بيروت) – على البرلمان المصري إصدار قانون للعدالة الانتقالية، ينص على تحقيق جديد ومحايد في واقعة القتل الجماعي للمتظاهرين في 2013، لضمان المحاسبة وتقديم التعويض المناسب لعائلات الضحايا. ينص الدستور على إصدار البرلمان لقانون للعدالة الانتقالية أثناء دورة انعقاده الأولى، والتي يُرجح أن تنتهي في أكتوبر/تشرين الأول.

   إذا كانت حكومة عبد الفتاح السيسي تأمل في أن تحظى بأي مصداقية أمام آلاف المصريين الذين عانوا على مدار السنوات الثلاث الماضية، فعليها ضمان المحاسبة الجادة على هذه الجرائم الخطيرة. ما زالت واقعة القتل الجماعي في 14 أغسطس/آب 2013 بقعة سوداء في سجل مصر لا يمكن لأي محاولات تبذلها الحكومة أو حلفاؤها أن تخلصها منها.   

سارة ليا ويتسن

في 14 أغسطس/آب 2013 قتلت قوات الأمن المصرية ما لا يقل عن 817 شخصا، ويُرجح أن العدد يزيد على الألف، وكانوا في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة يتظاهرون ضد عزل الجيش للرئيس السابق محمد مرسي – في واحدة من أسوأ وقائع القتل الجماعي في التاريخ الحديث. يُرجح أن فض رابعة ووقائع قتل جماعي أخرى لمتظاهرين في 2013 ترقى لجرائم ضد الإنسانية، لكن في السنوات الثلاث الماضية لم تحاسب السلطات المصرية أحدا، ولم تتخذ الأمم المتحدة تدابير تُذكر.

قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "إذا كانت حكومة عبد الفتاح السيسي تأمل في أن تحظى بأي مصداقية أمام آلاف المصريين الذين عانوا على مدار السنوات الثلاث الماضية، فعليها ضمان المحاسبة الجادة على هذه الجرائم الخطيرة. ما زالت واقعة القتل الجماعي في 14 أغسطس/آب 2013 بقعة سوداء في سجل مصر لا يمكن لأي محاولات تبذلها الحكومة أو حلفاؤها أن تخلصها منها".

انتخب المصريون مؤخرا أعضاء مجلس النواب، أول هيئة تشريعية تنعقد من بعد حلّ مجلس الشعب في 2012، وكانت الجلسة الافتتاحية في يناير/كانون الثاني 2016. تنص المادة 241 من الدستور على أن يقوم البرلمان قبل انتهاء دورته هذه "بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية".

على المشرعين المصريين تنفيذ ولايتهم الدستورية وأن يتحملوا مسؤوليتهم كنواب منتخبين، بإصدار قانون يفتح الباب أمام ضحايا القتل الجماعي في 2013 للحصول على العدالة.

ظهرت عدة مسودات لقانون العدالة الانتقالية بين أيدي النواب في الشهور الأخيرة، وسط شائعات بأن بعض المسودات قد تضم مواد تخص المصالحة مع الإخوان المسلمين، جماعة مرسي، التي اعتُقل وقُتل الآلاف من أعضائها منذ عزله.اعترض العديد من النواب على أي ذكر للإخوان المسلمين في مشروع القانون.

عارض مصطفى بكري النائب البرلماني بشدة الإخوان المسلمين، قائلا لموقع هافنغتن بوست العربي في مطلع يوليو/تموز "نحن كنواب لن نقبل بأي حال من الأحوال المصالحة مع تلك الجماعة، وإذا تصالح الألمان مع النازيين، فلن نقبل بمصالحة مع الإخوان". رغم أن وزير العدالة الانتقالية مجدي العجاتي كان مُنتظر منه اقتراح مشروع قانون على البرلمان حينها، إلا أنه رفض ذلك، موضحا في تصريح له أن عدة نواب اعترضوا عليه.

قالت مصادر في لجنة الأمن القومي في البرلمان إن النواب تلقوا تعليمات من "جهات سيادية" – مصطلح يُستخدم عادة للإشارة إلى الهيئات الاستخباراتية – بعدم مناقشة مسألة المصالحة وقتها، بحسب هافنغتن بوست العربية.

بين عزل مرسي في 3 يوليو/تموز 2013 و16 أغسطس/آب 2013، وثقت هيومن رايتس ووتش 6 حالات لإطلاق قوات الأمن النار بشكل غير قانوني على متظاهرين، ما خلّف ما لا يقل عن 1185 قتيلا، بينهم من قُتلوا في 14 أغسطس/آب. في الماضي، أعرب مسؤولون حكوميون عن الاستعداد لتعويض المصابين وعائلات القتلى.

في ديسمبر/كانون الأول 2014 قال الأمين العام "للمجلس القومي لرعاية أسر شهداء ومصابي الثورة" – المؤسس بعد انتفاضة 2011 – إنه اقترح إضافة ضحايا واقعة القتل الجماعي إلى مسؤوليات المجلس. في أغسطس/آب 2015 قال عضو بلجنة تقصي الحقائق الحكومية التي بررت استخدام الشرطة للقوة أثناء واقعة القتل الجماعي إنه يدعم تعويض الضحاياوفتح تقصي قضائي.

دارت بعض المناقشات حول مفهوم التعويض في الإسلام (الدية)، الذي يمكن أن يسدده الطرف المسؤول عن الجريمة، كجريمة القتل، بدلا من العقوبات الأخرى.

قال سعد الكتاتني – رئيس البرلمان السابق وعضو حزب الحرية والعدالة الخاص بالإخوان المسلمين والذي يستأنف الآن في حكم بالإعدام، أثناء جلسة بالمحكمة في فبراير/شباط 2015 إن ممثلا عن الحكومة اقترح عليه وهو في السجن دفع دية لوقائع القتل الجماعي لتسوية الأزمة السياسية مع الإخوان المسلمين. قال الكتاتني إنه رد قائلا بأنه ليس لديه "اختصاص" قبول عرض كهذا وأنه "يرفض الانقلاب" على كل حال. كذلك اقترح ياسر برهامي – مؤسس أحد أكبر أحزاب السلفيين السياسية، ويدعم الحكومة – حلا يشتمل على دية.
التعويض على القتل الجماعي في 2013 – وإن كان بعيدا عن أن يمثل حلا شاملا – هو جزء لا يتجزأ من أي انتصاف فعال على انتهاكات حقوق الإنسان في نظر القانون الدولي.

حق الضحايا في الانتصاف الفعال أمام هيئة مستقلة ومحايدة تكفله عدة معاهدات صادقت عليها مصر، ومنها "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية". يشمل هذا الحق تقديم التعويض العادل والمناسب، وفتح تحقيق يحدد الوقائع وملاحقة المسؤولين عن الجرائم. توصلت المحاكم الدولية إلى أن الإفلات من العقاب على الجرائم مثل القتل الجماعي في 2013 لا يؤدي إلا لزيادة معاناة الضحايا وأسرهم.

أصدرت لجنة تقصي الحقائق الحكومية – التي بحثت في واقعة القتل والأحداث التي سبقتها وتلتها – ملخصا تنفيذيا بنتائجها في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، لكنها لامت المتظاهرين على بدء العنف، قائلة إن أغلب مسؤولية الشرطة مُبررة، ولم تقدم توصيات بأي تغييرات. قالت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى إن على الحكومة نشر التقرير للعلن، لكنها لم تفعل.

لم يعلن مكتب النائب العام عن أية تحقيقات. وفي المقابل هناك محاكمة جماعية لأكثر من 400 شخص اعتُقلوا في رابعة، وهم متهمون بقطع الطريق والإضرار بالوحدة الوطنية. اتُهم آلاف غيرهم بالانتماء إلى أو التعاطف مع تنظيم الإخوان، في محاكمة صورية، تضم صحفيين ونواب برلمانيين سابقين وآخرين تم القبض عليهم في مظاهرات.

رغم إخفاق السلطات المصرية في فتح ملاحقات قضائية جادة في القتل الجماعي، لم تشكل لجان تقصي حقائق دولية من قبل "مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة" أو "اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب"، رغم أنهما يعدان من المنابر الأخيرة المُتاحة لتحقيق العدالة للضحايا. تستمر هيومن رايتس ووتش في مطالبة المنظمتين بتشكيل لجان تقصي حقائق دولية.

قالت ويتسن: "لا يعتقد المجتمع الدولي أن تحقيق العدالة لضحايا أغسطس/آب 2013 سيحول دون احراز أي تقدم. إذا أراد المشرعون المصريون أن يكونوا ممثلين لكافة المصريين، فعليهم إثبات هذا بالسعي لتحقيق المحاسبة الأساسية على الجرائم التي ارتكبتها قوات الأمن المصرية".