جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنه يتابع بقلق شديد الإنذارات التي وجهتها إسرائيل للسكان الفلسطينيين في أجزاء واسعة من قطاع غزة، تطلب منهم فيها إخلاء منازلهم تمهيدا لقصفها، بادعاء أن تلك المناطق تستخدم من قبل الفلسطينيين لشن هجمات تجاه المناطق الإسرائيلية.

   يشكل استخدام إسرائيل لسياسية هدم منازل المدنيين وتدميرها،ضربا من ضروب العقوبة الجماعية للفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة، وهو ما يعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، لا سيما المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة   

المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي، سارة بريتشيت

 

وذكر المرصد الدولي الحقوقي الذي يتخذ من جنيف مقرا له، أن السلطات الإسرائيلية تعمد إلى استهداف الأعيان المدنية في قطاع غزة منذ يوم السبت 4 مايو 2019 على نحو واسع يتجاوز الضرورة العسكرية بصورة قاسية جداً.

وخلفت عشرات الهجمات الجوية والمدفعية التي شنتها إسرائيل ولا تزال مستمرة على قطاع غزة حتى مساء اليوم الأحد 5 مايو 2019 مقتل 22 فلسطينيا خلال يومين من بينهم سيدتين وجنينيهما ورضيعة أخرى، فضلا عن تدمير كلي وجزئي لمئات المنازل والمنشآت والمحال التجارية وشركات الإعلام.

وذكر المرصد الأورومتوسطي أن إسرائيل تهدد السكان بالقصف في مناطق سكنية مكتظة في مناطق رئيسة مختلفة في قطاع غزة بما ذلك أحياء الدرج والرمال والنصر والتوام والشجاعية في مدينة غزة، ووسط وجنوب مدينة رفح جنوب القطاع، وهي مناطق ذات كثافة سكانية كبيرة جدا يصل عدد سكانها إلى أكثر من نصف مليون نسمة، ما يجعل استهدافهم بهذه الصورة الواسعة جدا غير مبرر، ولا يأخذ في اعتباره "مبدأ التناسب" بين الميزة العسكرية المرجوة والتدمير الذي سيلحق بالمدنيين وأملاكهم.

ووثق فريق المرصد الأورومتوسطي الميداني في قطاع غزة تدمير طائرات حربية إسرائيلية 9 بنايات سكنية ونحو 10 منازل بشكل كامل فضلا عن تضرر أكثر من مائة وحدة سكنية بشكل جزئي.

وقال المرصد الأورومتوسطي إن المادة (25) من لائحة لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية قررت "حظر مهاجمة أو قصف المدن والقرى والمساكن والمباني غير المحمية"، كما نصت المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه "يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتما هذا التدمير".

وأكد أن تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية، وعلى نطاق كبير، يعد مخالفة جسمية للاتفاقية بموجب المادة 147 منها، وجريمة حرب، بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8،2، ب، 2).

ونوه المرصد الأورومتوسطي إلى أن إسرائيل تبرر استهداف منازل المدنيين باستخدامها من قبل مقاتلين، لإطلاق الصواريخ بالقرب منها، أو لتخزين الذخيرة، وهو ما يجعل من تدميرها "ضرورة عسكرية تقتضيها العمليات الحربية".

غير أن المرصد يرى أن أعداد المنازل المدمرة، والمناطق التي تم الطلب من السكان إجلاءها تمهيدا لقصفها، والتي كان آخرها القصف الذي استهدف منزلين شمالي قطاع غزة والذي راح ضحيته رجل وسيدة ورضيعة،، تظهر أن هذا الادعاء غير دقيق، كما لم يثبت حتى الآن أن أيا من تلك البيوت التي جرى هدمها استخدم لغايات عسكرية من قبل المقاتلين في غزة أو نجم عنه نتيجة عسكرية ملموسة.

وشدد على أن ذلك يخالف مبدأ الضرورة، ويتناقض وما نصت عليه المادة 52 (3) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي قررت أنه إذا ثار شك حول ما إذا كان مكان ما يستخدم عادة لأغراض مدنية، إنما يستخدم في تقديم مساهمة فعالة للعمل العسكري، فإنه يفترض أنه لا يستخدم كذلك حتى يثبت العكس.

وقالت المتحدثة باسم المرصد الأورومتوسطي سارة بريتشيت، إنه حتى في حالة الضرورة العسكرية التي تدّعيها إسرائيل يبقى على عاتق دولة الاحتلال أن تمتثل للأحكام الأخرى التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني؛ والتي تقضي بحظر الإضرار بالممتلكات 'كوسيلة وقائية' -أي في الحالات التي لم يتم التحقق بعد من الخطر- وتمنع تدمير الممتلكات لتحقيق الردع أو بث الذعر في صفوف المدنيين أو الانتقام منهم.

ونبهت بريتشيت إلى أن تدمير الممتلكات يكون غير مشروع إذا لم يكن 'متناسبا'، بالمقارنة ما بين الميزة العسكرية التي يحققها والضرر الذي يمكن أن يحصل، بحسب موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

واعتبرت أن استخدام إسرائيل لسياسية هدم منازل المدنيين وتدميرها، يشكل 'ضربا من ضروب العقوبة الجماعية للفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة'، وهو ما يعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، لا سيما المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على 'حظر العقوبات الجماعية، وجميع تدابير التهديد وتدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم'.

ونوهت الباحثة في الدائرة القانونية في المرصد الأورومتوسطي "أودري فرديناند"، إلى أن المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تعد جزءا من القانون الدولي العرفي، قضت بضرورة 'اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند اختيار أساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية'، و'بالامتناع عن شن أي هجوم يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية بصورة تتجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة'، وإلا عدا ذلك، بحسب البروتوكول ذاته، ضربا من 'الهجمات العشوائية'، وهو ما يمثل، بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، جريمة حرب. كما نصت المادة 57 على ضرورة 'توجيه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين'.

وقالت "فرديناند": 'صحيح أن إسرائيل من ناحية ما تقوم بتوجيه إنذار للسكان المدنيين غالبا قبل قصف منازلهم، إما من خلال الاتصال الهاتفي أو "الصاروخ التحذيري " (صاروخ من الحجم الصغير توجهه طائرات الاستطلاع الإسرائيلية للبناية قبل قصفها فعليا)، غير أن الثابت من الوقائع، أنها لا تلتزم بالضوابط الأخرى المذكورة في المادة، كما أن التحذير الذي تطلقه غير ذي جدوى، ذلك أن القصف الفعلي تم في معظم الحالات بعد أقل من دقيقتين على توجيه الإنذار التحذيري، وفي بعض الحالات خلال أقل من دقيقة واحدة، وهي بالتأكيد مدة غير كافية لإخلاء المنزل من السكان المدنيين، وهم يعيشون في أجواء الحرب'.

وذكرت "فرديناند" أن تقرير لجنة تقصي الحقائق الأممية الخاص بالحرب على غزة عام 2008-2009، رأى أن الإنذار يجب أن يكون فعالا، بمعنى أن يصل إلى أولئك الأشخاص الذين قد يتعرضون للخطر، وأن يمنحهم وقتا كافيا للاستجابة للإنذار، مشيرة إلى أن التقرير ذكر في حينه أن "الصواريخ التحذيرية" التي تطلقها إسرائيل لتحذير المدنيين قبل قصف بيوتهم 'تمثل نمطا من الاستهتار المطلق'.

ودعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطات الإسرائيلية إلى التوقف الفوري عن استهداف الأعيان المدنية ومنازل المدنيين الفلسطينيين بالقصف والتدمير، وضرورة تجنيبيهم يلات الحرب بقدر الإمكان، مشددا على أن الوضع الكارثي في القطاع لا يحتمل مزيدًا من التدهور.