جنيف - قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ مشروع القانون الجديد الذي وافق عليه مجلس الاتحاد الأوروبي يسمح للحكومات باتخاذ إجراءات مراقبة تنتهك خصوصية الصحافيين ومصادرهم، في محاولة لتكميم أفواههم وتقويض دورهم الرقابي.

وأكّد المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي على ضرورة ضمان حرية وتعددية واستقلالية وسائل الإعلام، وتعزيز دورها في بناء مواطنين فاعلين وديمقراطيات راسخة.

وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ المجلس الأوروبي نشر مسودةً جديدةً لمشروع قانون حماية حرية وسائل الإعلام الأوروبية في 21 يونيو/ حزيران المنصرم، مع بعض التطورات المقلقة التي قد تشكل خطرًا كبيرًا على القيم الديمقراطية الأساسية للاتحاد الأوروبي والحقوق الأساسية، خاصةً احترام حرية وسائل الإعلام والتعددية والحق في حرية التعبير عن الرأي.

   المسودة الجديدة للقانون تمثل ردّة عن الهدف الأساسي للقانون والمتمثل في تمكين الصحافيين من أداء عملهم باستقلالية، وقد تتسبب بتقليص الحيّز المدني وشرعنة إسكات الأصوات المنتقدة   

ميكيلا بولييزي، باحثة في شؤون اللجوء والهجرة لدى المرصد الأورومتوسطي

وشدّد المرصد الأورومتوسطي على خطورة الإضافات الجديدة المقترحة في مسودة القانون، حتى وإن كانت ما تزال بحاجة لموافقة البرلمان الأوروبي قبل إقرارها رسميًا.

وكانت المسودة الأولى للمشروع -طُرحت في سبتمبر/ أيلول 2022- تتضمن مجموعةً من القواعد التي تهدف إلى تعزيز تعددية وسائل الإعلام واستقلاليتها في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن منع التدخل السياسي في سياسة التحرير وضمان شفافية ملكية وسائل الإعلام، لكنّ الاجتماع الأخير لمجلس الاتحاد الأوروبي حاد عن الأهداف الأصلية للقانون، إذ استخدم مصطلحاتٍ فضفاضة وغامضة للسماح للحكومات بتثبيت برامج تجسس على هواتف وحواسيب الصحافيين في حال رأت أنّ ذلك ضروري لمصلحة الأمن القومي.

وعلى وجه الخصوص، فإنّ المادة (4) من المسودة الجديدة بشأن "حقوق مقدمي الخدمات الإعلامية" تستثني "الأمن القومي" من الحظر العام لاستخدام برامج التجسس ضد الصحافيين، فضلًا عن زيادة قائمة الجرائم التي تسمح بمراقبة الصحافيين ومصادرهم وإلغاء الضمانات القانونية ضد استخدام الدول الأعضاء لبرامج التجسس.

وكجزء من الاستثناء، تنص المسودة الجديدة على زيادة قائمة الجرائم التي تسمح بإجراءات المراقبة لتتعدى الإرهاب أو تهديد الأمن القومي وتشمل 32 جريمة جديدة بينها القتل والعنف الشديد والسرقة وقرصنة الموسيقى أو الفيديو، فضلًا عن أي جريمة يُعاقب عليها القانون بالسجن لمدة خمس سنوات، في مخالفة واضحة لمبدأ التناسب.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ منح الحكومات سلطة التجسس على هواتف وحواسيب الصحافيين يردعهم عن الخوض في قضايا حساسة مثل الفساد، ويعرض مصادرهم السريّة لخطر كشف الهوية، ويعزز مناخ الإفلات من العقاب الناجم عن الخوف من التعرض للمراقبة عند التعبير عن الرأي أو كشف الفساد.

وبيّن أنّ المسودة الجديدة تحفّز على استخدام برامج التجسس بناء على تقدير الدول الأعضاء، على الرغم من الفضائح الأخيرة فيما يتعلق باستخدام برامج تجسس خطيرة مثل "بيغاسوس" و"بريداتور" لمراقبة اتصالات الصحافيين والسياسيين وقمع المعارضة وتقويض الديمقراطية.

ونبّه إلى أنّ المسودة الجديدة تغذّي مناخ تشويه وزعزعة الثقة في وسائل الإعلام، الأمر الذي قد يؤدي إلى تطبيع وزيادة التهديدات والاعتداءات على الصحافيين وغيرهم من العاملين في مجال الإعلام، بما يشمل الترهيب والاحتجاز التعسفي والمراقبة غير القانونية والعنف القائم على النوع الاجتماعي والمضايقات والهجمات المبنية على التمييز العنصري، سواء عبر الإنترنت أو على أرض الواقع.

ومنذ يناير/ كانون ثانٍ 2023 وحتى يوليو تموز الجاري، سجّلت "منصة مجلس أوروبا لتعزيز حماية الصحافة وسلامة الصحافيين" 105 تهديدات خطيرة لحرية الإعلام، بما يشمل 86 حالة مضايقة وترهيب و71 اعتداءً على حرية الإعلام و70 اعتداءً جسديًا على صحافيين و29 حالة اعتقال وسجن.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ هذه الانتهاكات تظهر نمطًا مقلقًا من ترهيب الصحافيين، ما يستدعي إجراءاتٍ عاجلة من الدول الأعضاء لدعم الدور المحوري للصحافة الحرة في المجتمعات الديمقراطية وليس العكس.

وقالت الباحثة في شؤون اللجوء والهجرة في المرصد الأورومتوسطي "ميكيلا بولييزي" إنّ "المسودة الجديدة للقانون تمثل ردّة عن الهدف الأساسي للقانون والمتمثل في تمكين الصحافيين من أداء عملهم باستقلالية، وقد تتسبب بتقليص الحيّز المدني وشرعنة إسكات الأصوات المنتقدة".

وأضافت أنّ "المسودة الجديدة لمشروع قانون حماية حرية وسائل الإعلام الأوروبية تغذّي مناخًا معاديًا ومخيفًا للصحافيين، وتشرّع الأشكال غير المقبولة للتدخل والعرقلة والمضايقة بحجة الحفاظ على مصلحة "الأمن القومي"، ما قد يؤدي إلى تداعيات أشد خطورةً على حقوق جميع المواطنين الأوروبيين في الوصول – على سبيل المثال – إلى مصادر متعددة للمعلومات تسمح لهم بتكوين الآراء ومراقبة حكوماتهم وممارسة حقهم في التصويت".

وكانت فرنسا – بشكل أساسي – ممن روّجوا لتعديل القانون، إذ إنها من بين البلدان التي سجّلت أكبر عدد من التنبيهات على "منصة مجلس أوروبا"، خاصةً فيما يتعلق بالعنف في البلاد أو عنف قوات الأمن تجاه الصحافيين الذين يغطون الاحتجاجات، والذي هو أيضًا موضع نقاش في الوقت الحالي.

وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ التدخل غير المبرر في عمل الصحافة المستقلة يترافق عادة مع إخفاقات واسعة في أنظمة العدالة وسيادة القانون، وقيود أكثر على حقوق الأفراد الأساسية لتنمية المجتمعات الحرة.

ودعا المرصد الأورومتوسطي مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى التفاوض الواضح والفعّال بشأن قانون حماية حرية وسائل الإعلام الأوروبية بالشكل الذي يضمن حماية حرية وسائل الإعلام والتعددية في جميع أنحاء أوروبا، على النحو المنصوص عليه في المادة (11) من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي.

وطالب المرصد الأورومتوسطي الاتحاد الأوروبي بحثّ السياسيين والسلطات الوطنية على الامتناع عن ترهيب الصحافيين أو تهديدهم أو التغاضي عن العنف الموجّه ضدهم، فضلًا عن العمل بسرعة وحزم لإنهاء الاعتداءات على حرية الصحافة، حتى يستطيع الصحافيون العمل دون خوف، ويتمكن المواطنون الأوروبيون من اتخاذ قرارات واعية، والمشاركة بشكل فاعل في العملية الديمقراطية ومحاربة المعلومات المضللة.