رانيا حمزة

باحثة لدى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

يشهد لبنان منذ أشهر تصاعدًا جديدًا وغير مسبوق في حدة الخطاب الموجه ضد اللاجئين السوريين، سواءً عبر مسؤولين وقادة أحزاب سياسية، أو حتى في الشارع اللبناني الذي يرزح تحت وطأة انهيارٍ اقتصادي بدأت فصوله منذ العام 2019 ولا يبدو من أفقٍ قريب لها.

على مدار أشهر، وقعت مئات الحوداث التي تُصنف على أنها عنصرية ضد اللاجئين السوريين في لبنان بوتيرة متسارعة ومتوالية في مناطق مختلفة. وفي عدد كبير من الحالات، لم تتوان بعض الوسائل الإعلامية اللبنانية -مدعومة بخطابات مسؤولين- عن تهييج الأوضاع أكثر، حيث كان بعضها يعمد الى  "صبّ الزيت على النار" من خلال تحميل الوجود السوري في لبنان مسؤولية الأزمة الاقتصادية وإظهار اللاجئين السوريين بمثابة "الخطر الداهم" الذي يعمل على "ضرب النسيج اللبناني وتبديل هويته الثقافية والحضارية".

وبينما نالت الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة وعلى الحدود اللبنانية اهتمامًا أكبر في الوقت الحالي مما يجري على الساحة الداخلية، إلاّ أنها لم تخفف من تأثير خطاب الكراهية الذي خلق  أزمة من المحتمل أن تؤدي في أي لحظةٍ لإنفجارٍ لا تحمد عقباه.

وعلى مدار العام الماضي، احتل شهر  تشرين الأول/ أكتوبر 2023، الصدارة في عدد ونوعية الحوادث المسجلة التي وقع ضحيتها لاجئون سوريون في لبنان، إذ لم تتخذ هذه الحوادث طابعًا فرديًا مناطقيًا وحسب، بل ولّدت ردات فعلٍ واسعة النطاق اتسمت بالحدة والترهيب العشوائي لكل من يحمل صفة "لاجئ سوري"، وصلت الى حد اقتحام المنازل وتكسير مقتنياتها وطرد سكانها دون محاسبة أو ملاحقة المسؤولين أو مرتكبي تلك الاعتداءات.

 حوادث متنقلة

وأظهر مقطع مصور انتشر في الأول من تشرين الأول/أكتوبر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام إقدام عدد من الشبان اللبنانيين على الاعتداء على شابين سورييّن بالضرب والإهانة والسخرية في منطقة فسوح-الأشرفية، فيما قاموا بتوثيق فعلتهم بهواتفهم المحمولة، بينما شاهد سكان المنطقة الحادثة من شرفات المنازل دون تحريك ساكن، حيث اكتفى البعض بتصوير ما يجري.            

بعد عدة أيام، وقعت حادثة "الدورة" في منطقة برج حمود، التي أشعلت الشارع اللبناني، حيث كثرت الروايات التضليلية حول مسبباتها، الأمر الذي دفع باتجاه تأجيج الأوضاع

روى "سميح" (اسم مستعار) وهو لاجئ سوري من سكان برج حمود، للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ما يزعم أنه حقيقة ما جرى قائلاً: "لا علاقة للسوريين بما حصل لا من قريب ولا من بعيد، وهم لم يتدخلوا بالإشكال الذي وقع أصلاً. لكن ما جرى أن زبونة في معمل ألبسة كانت تقوم بركن سيارتها، فقامت بصدم عامل الديليفري "لبناني الجنسية" فوقع هاتفه وانكسر، فاستثار غضبًا وطالبها بالتعويض عليه. عندها تدخل صاحب المعمل وهو أرمني-لبناني، وقال لها 'كبيلو خمسين ألف ليرة'، فتجادل الطرفان وأراد عمال المعمل، وهم من السوريين، التدخل ومساندة ربّ عملهم، لكنه طلب منهم البقاء داخل المعمل وعدم الخروج منه. وكان يمكن للإشكال أن ينتهي، إلاّ أنّ المرأة أحضرت شبانًا ليساندونها، ثم تطور الجدال ليخرج من طابعه الفردي وبدأ العديد من الشباب اللبنانيين بالتوافد الى المحلّة وعملوا على احتجاز العمال لساعات طويلة داخل المعمل وسد منافذ المعمل بالآلات وقاموا بإحراق دراجاتهم النارية، ولم يتمكنوا من الخروج من المعمل إلا قرابة الساعة الواحدة ليلاً، حيث تدخلت وحدات الجيش اللبناني وأوقفت عددًا من الشبان السوريين، لا لأن لهم علاقة بالإشكال، ولكن لعدم حيازتهم أوراقًا قانونية (إقامة شرعية)"

وتابع "سميح": "لم تنتهِ القضية هنا، بل جاب مجموعة من الشباب شوارع برج حمود والدورة والنبعة وصولاً إلى سن الفيل، وراحوا يعتدون بالضرب على السوريين بشكل عشوائي. المفارقة أن هؤلاء الشباب أنفسهم كانوا يختارون الأبرياء الضعفاء وجلّ ما يريدونه العيش بسلام ليعتدوا عليهم"

الخوف بات يلازم "سميح" من أن يقع ضحية ما يعتبره "مخططًا مقصودًا"، هدفه تأجيج العنصرية أكثر في وجه السوريين وتحميلهم مسؤولية كل الأزمات التي يمرّ بها لبنان. يعمل "سميح" بتوصيل الطلبات "ديليفري مان" لأحد المطاعم، ومنذ الحادثة باتت عودته اليومية الى منزله تحتاج "مخططًا استراتيجيًا" وسلسلة اتصالات لضمان وصوله سالماً إلى المنزل. وعن ذلك قال:"منذ حادثة الدورة فرض على السوريين منع تجوال بعد الساعة السادسة مساءً. كما قام  مجموعة من شبان المنطقة بالاعتداء على محلات أصحابها سوريين، وطلبوا من المحلات التي يشغلون أصحابها عمالاً سوريين بطردهم من العمل. والحادثة لم تبق محصورة في برج حمود، بل انتقلوا إلى مناطق مجاورة كالنبعة والسد والبوشرية والجديدة وسن الفيل وقاموا بإغلاق محلات السوريين وتهديد المطاعم التي تشغّل شباب "ديليفري" من التابعية السورية بمقاطعتها إن لم تطرد عمالها". وأضاف "سميح": شكلنا أنا وأصدقائي مجموعة على الواتساب نتناقل خلالها آخر المستجدات في هذا السياق، وذلك لتأمين دخولنا وخروجنا من المنطقة، ما من حل آخر لدينا خاصة مع احتدام الخطاب التحريضي ضدنا، والذي إن استمر على هذا النحو فإنه سيؤدي إلى كارثة حقيقية وربما دماء."

وسجلت الأيام التالية لحادثة "الدورة" سلسلة من الإشكالات والاعتداءات التي من المرجح أنها جاءت نتيجة الاحتقان والأخبار التضليلية التي تناولت السوريين، و لعل أسوأها كان قيام مجموعة من الأشخاص باقتحام عدد من الشقق في منطقة (برج حمود) بعد خلع أبوابها والتعرض بالضرب لقاطنيها وترهيبهم وتكسير ممتلكاتهم وبث الذعر في قلوب أطفالهم.

بالمقابل، وجه مخاتير منطقة الجديدة، والبوشرية، والسد، كتابًا إلى المديرية العامة للأمن العام، طالبوا فيه بإقفال كافة المحال التجارية غير الشرعية المشغولة من غير اللبنانيين.

تعتبر منطقة (برج حمود)، من المناطق ذات الطابع التجاري، أغلب سكانها من الأرمن اللبنانيين. ومع وصول وفود اللاجئين السوريين إلى لبنان تركز عددٌ كبيرٌ منه في برج حمود، فباتت تشهد اكتظاظًا سكانيًا هائلاً. ولكن رغم سوداوية المشهد، إلا أنه ما يزال هناك من يتشبث بحصرها ضمن الطابع الفردي. وفي هذا الشأن تحدثت "لين" إلى المرصد الأورومتوسطي: "أعيش في لبنان منذ العام 1996 وأنا أسكن منذ زمن في شارع أراكس في منطقة برج حمود وأحدًا لم يتعرض لي. أنا أظن أن هذه الاعتداءات تطال فئة معينة من الشباب وحسب."

تفاقم الأزمات الاقتصادية في لبنان سهل تبني الدعوات العنصرية

في بداية الأحداث السورية، استقبل اللبنانيون اللاجئين من نيران المعارك في سوريا بترحاب كبير، حيث تحدث كثيرون عن أن ذلك جاء انطلاقًا من مبدأ "الدولة الشقيقة" وعرفانًا لهم لاستقبالهم في حرب تموز. لكن مع امتداد الأزمة سنوات عديدة، وارتفاع عدد اللاجئين إلى قرابة المليون ونصف سوري، ترافق مع انهيار اقتصادي تام في مؤسسات الدولة اللبنانية، بدأ بعض السكان يشعرون بالضيق والنقمة على اللاجئين. على سبيل المثال، في إفادة للمرصد الأورومتوسطي، قال أحد السكان اللبنانيين: "معظم السوريين يتلقون المساعدات المالية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينما أحدًا لم ينظر إلى اللبنانيين أو يقدم لهم مساعدة رغم كل ما شهده البلد من أزمات". 

وتسهم بعض الصفحات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بالتسويق للخطاب التحريضي على اللاجئين،  وإقناع الجمهور بضرورة ترحيلهم والدعوة الى التحرك ميدانيًا لتحقيق ذلك.

ولعل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب لبنان تسهم في جعل هذه الدعوات مقنعة لشريحة واسعة من السكان. يقول جاد (اسم مستعار) في حديث مع المرصد الأورومتوسطي :"خرج السوريون من لبنان بزّي العسكر ثم عادوا بزيّ مدني، يتلقون المساعدات يأكلون أفضل طعام يسكنون في أفضل المنازل، فيما يعجز اللبناني عن تأمين قوته اليومي، نحن مع الإنسانية ولكن أحداً لا يشعر بنا". 

يقتنع "جاد" بالخطاب السائد الذي يروج له بعض ممثلي الأحزاب السياسية والحملات المدنية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يقضي بأن وجود اللاجئين هو السبب في أزمة لبنان الاقتصادية. وعن ذلك قال: "اليوم ترتفع أسعار الشقق والعقارات. ذلك أن السوريين يقبضون المساعدات بالدولار الأمربكي، وإذا عادوا إلى بلادهم، ستنخفض الاسعار وسيصبح بإمكان اللبناني أن يعثر على شقة يعيش فيها. كما أن السوريين يعملون ويفتحون المحلات التجارية دون أن يدفعوا الضرائب، عكس اللبناني الذي يزاحمونه في باب رزقه وعليه أن يتحمل الخسائر."

تبدل الخطاب السياسي أسهم في تأجيج العنصرية 

منذ بدء الأحداث السورية في مارس/آذار من العام 2011، فتح لبنان أبوابه لاستقبال اللاجئين من نيران المعارك على نحوٍ عشوائي وغير مدروس، بخلاف باقي الدول المجاورة التي قامت بتنظيم دخول وإقامة اللاجئين الى أراضيها مثل تركيا والأردن. جاء ذلك نتيجة اعتماد الحكومة اللبنانية التي كان يرأسها آنذاك الرئيس الحالي "نجيب ميقاتي" سياسة "النأي بالنفس"، حيث قال ميقاتي حينها: "انتهجنا سياسة النأي بالنفس لقناعتنا بعدم التدخل في شؤون الآخرين، ولذلك فإننا لن نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا أو بتحويل لبنان مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات وتصدير الأزمات الخارجية إليها". واعتبر حينها أن هذه السياسة تجنب البلد المزيد من التوتر والانقسامات، وتنأى بها عن تداعيات أكثر خطورة. ولكن أثبت مرور الوقت فشل هذه السياسة التي دفع ثمنها اللبنانيون والسوريون في آن.

أما اليوم فيبدو أن موقف رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي تبدل من "النأي بالنفس" إلى تحميل الوجود السوري وزر تفاقم أزمات لبنان على مختلف الأصعدة وإخفاق الحكومة في معالجتها، وبالتالي مطالبة المجتمع الدولي بإعادتهم إلى سوريا. واتهم ميقاتي اللاجئين السوريين بتشكيل خطر على لبنان وتهديد النسيج الاجتماعي. وطالب ميقاتي المجتمع الدولي بدعم لبنان لمعالجة أزمة اللاجئين السوريين على أراضيه. جاء ذلك خلال اجتماع في نيويورك مع نائبة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند في أيلول الفائت 2023.

بعدها أصدرت حكومة تصريف الأعمال في لبنان، تعليمات جديدة بخصوص اللاجئين السوريين، من شأنها التضييق عليهم أكثر. جاء ذلك عقب جلسة عقدها مجلس الوزراء اللبناني، لبحث مشروع الموازنة لعام 2024، حيث طلب المجلس من الأجهزة الأمنية والعسكرية التعاون والتنسيق فيما بينها لتعزيز نقاط التفتيش على الطرق التي يستخدمها "المتسللون".كما حثها على تنفيذ عمليات مشتركة شاملة ومنسقة تستهدف شبكات التهريب، و"إغلاق نقاط العبور غير الشرعية ومصادرة الوسائل والأموال المستخدمة من قِبل المهربين".وشدد المجلس على ضرورة منع دخول السوريين بطرق "غير شرعية" واتخاذ الإجراءات الفورية بحقهم لجهة إعادتهم إلى بلدهم.

من ناحية أخرى قال وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية القاضي بسام مولوي، في تصريح له بتاريخ 4 أكتوبر 2023، أنه "لن نسمح بالوجود السوري العشوائي في لبنان" وطالب بخطة عودة للنازحين ضمن إطار زمني واضح، فالهدف بحسب مولوي،"ليس تنظيم الوجود السوري وإنما الحد منه"، أضاف:"لن نقبل أن يبقى العمل السوري متفلتاً في كل القطاعات في لبنان".  

وحمل مولوي اللاجئين السوريين مسؤولية الجرائم التي تحصل في البلد بقوله:"عدداً كبيراً من الجرائم المتنوعة والكبيرة يرتكبها السوريون في لبنان بنسبة تفوق الـ30%...". وأضاف أن"هذا الموضوع يستدعي التعاون للحفاظ على بيئتنا وصورة وهوية بلدنا". 

وتأتي هذه الإجراءات المتشددة والتصريحات، بعد قيام الدولة اللبنانية أصلاً، بترحيل قرابة ستة آلاف سوري خلال شهر آب/ أغسطس الماضي، وإعادتهم عبر الحدود البرية مع سوريا في منطقة وادي خالد، ليصبح مجموع الأشخاص الذين تمّ ترحيلهم عبر الحدود الشمالية حتى العام 2023، 11،000 شخص، بحسب تقرير نُشر في 24 أيلول/ سبتمبر 2023،  في حين لا تزال الأمم المتحدة ترفض دعوات المطالبة بالعودة الجماعية للاجئين السوريين الى بلدهم لاعتبارات عدة منها استمرار الصراع وعدم استقرار الأوضاع هناك. افتقار العديد من المناطق السورية الى البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تؤمن العودة المستدامة. والأهم اعتقاد الأمم المتحدة أن عودة السوريين يجب أن تكون طوعية وبناء على الاختيار الفردي للاجئين.