رانيا حمزة- بيروت

في خريف عام 2019 انفجرت أزمة لبنان الاقتصادية، التي تحرك على ضوئها الشارع اللبناني بما عرف "بالثورة"، وانهارت الليرة اللبنانية، حتى فقدت قيمتها بالكامل، وانهارت معها مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية. 

أقفلت البنوك على أموال اللبنانيين فرزح المواطنون تحت ضيقة خانقة قلبت حياتهم رأساً على عقب. وبالطبع لم تقتصر تأثيرات الأزمة على اللبنانيين وحسب بل امتدت لتطال العمال والعاملات المهاجرين في لبنان، في وقت كانوا يعانون في الأصل من ظلم "نظام الكفالة" الذي يتحكم بمفاصل وجودهم في هذا البلد قبل تفاقم الأزمة الاقتصادية، لتأتي هي وتزيد الطين بلّة.

ففي السنوات الأولى للازمة امتنع العديد من أصحاب العمل عن دفع رواتب العاملات بحجة عدم استقرار سعر صرف الليرة بالنسبة للدولار، أو قاموا في أحسن الأحوال بدفع رواتبهم على سعر الصرف القديم، الذي ما عاد يأتي أُكُله بما يشبه التكريس لنظام العبودية.

هذا الأمر دفع بالعديد من العاملات الى اللجوء الى سفاراتهم لمغادرة لبنان أو الهروب من منزل أصحاب العمل بحثاً عن لقمة العيش مهما كانت الظروف ومهما كان الثمن باهظاً.

ولعلّ ارتفاع حالات هروب العاملات من منزل كفيلها، أو "تركهم للعمل" بحسب المصطلح الجديد المتفق عليه حديثاً، فتح شهيّة شبكات الاتجار بالبشر إلى تكثيف أنشطتها مستفيدةً أولاً من حاجة الفتيات إلى ملجأ ومصدر رزق، وثانياً ظروف البلد المواتية من غياب الدولة وأجهزتها المتخبطة بتداعيات الأزمة.

 

ما هو نظام الكفالة؟      

في الأساس، نظام الكفالة هو نظام قانوني يحدد علاقة صاحب العمل بالعامل الأجنبي وفي ظل هذا النظام يصبح العامل خاضعاً لسلطة صاحب العمل من حيث مكان إقامته وتنقله الوظيفي وسفره. 

وتعتمد العديد من الدول العربية هذا النظام بحلته السلطوية منها دول الخليج والأردن والعراق ولبنان. 

في العام 2015 قامت دولة قطر بإلغاء نظام الكفالة واعتمدت نظاماً جديداً للعمل لديها أبرز ما تضمنه السماح للموظفين بتغيير جهة عملهم بحرية دون طلب شهادة عدم ممانعة من صاحب العمل. 

وفي 16 كانون الثاني/يناير 2020 أصدر وزير الداخلية القطري القرار رقم 95 لسنة 2019 والذي يلغي تصاريح الخروج لجميع الوافدين من غير الخاضعين لقانون العمل بمن فيهم المستخدمين في المنازل بمغادرة البلاد دون الحصول على اذنٍ مسبق من صاحب العمل.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2020 أعلنت المملكة العربية السعودية، عن مبادرة لتحسين العلاقة التعاقدية مع العمال الأجانب دخلت ضمن مبادرات رؤية السعودية للعام 2023 وقامت على إلغاء سلطة صاحب العمل أو الكفيل فيما يتعلق بالتنقل الوظيفي وسفر العامل. 

وقد بدأ سريان إلغاء الكفالة والتنقل الوظيفي في السعودية من تاريخ 14/3/2021 فيما استثنى النظام: السائق الخاص، الراعي، الحارس، والخادم المنزلي، الأمر الذي جعلها محط انتقادات حقوقيةاعتبرت أن هذه الإصلاحات غير كافية سيما أنها لا تحمي فئة هي الأكثر عرضة للانتهاكات مثل العمال المزارعين والعاملات المنزليات. 

أما في لبنان، فإنه على الرغم من عدم تصديق لبنان على اتفاقية العام 1990 المتعلقة بحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم، إلاّ أنّه صدق على العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان وعلى معايير العمل الدولية التي تشمل أحكاماً خاصةً بالعمال المهاجرين بشكل عام وبالعاملات الأجنبيات بشكل خاص. 

ومن ذلك قيام الحكومة اللبنانية بتاريخ 2002/12/9 بتوقيع بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية أو ما يعرف ببروتوكول باليرمو. 

وعلى ضوء ذلك قد أدت تحركات وجهود العديد من المنظمات الحقوقية إلى التوصّل مع وزارة العمل الى إطلاق عقد عمل موحد للعاملات في الخدمة المنزلية يسعى إلى تأمين أبسط حاجاتهم الإنسانية، كخطوة أولى نحو إلغاء نظام الكفالة الحالي، ولكن لا تزال العاملات المنزليات بحاجة إلى تعديل في قانون العمل حيث لا تزال المادة السابعة منه تستثني هؤلاء من الحماية.

في الثامن من أيلول/سبتمبر 2020 أصدرت وزيرة العمل في حكومة تصريف الأعمال لمياء يمين العقد القياسي الموحد الجديد الذي استند إلى خطة عمل إصلاحية وإلى مسودة عقد وضعتها منظمة العمل الدولية. 

وقد نص العقد على مجموعة من الحقوق البديهية التي كانت تفتقد العاملات المنزليات لها منها الحق بمغادرة المنزل أيام العطلة الأسبوعية والإجازة السنوية، ولا يشترط عليهن دفع رسوم الاستقدام أو التكاليف ذات الصلة. 

كما حظر على أصحاب العمل وقف تسديد الأجور وحجز جوازات السفر والوثائق الشخصية الأخرى. اما أبرز أحكام هذا العقد أنه، سمح لصاحب العمل أو العاملة بإنهاء العقد من جانب واحد من خلال تقديم إشعار قبل شهر واحد، وإنهائه على الفور في حال مخالفة أحكامه. وتشمل هذه المخالفات من جانب صاحب العمل وقف دفع الأجور وحجز جواز السفر، بالإضافة إلى انتهاكات أخرى كالاعتداء الجسدي والنفسي والجنسي والأضرار الاقتصادية. 

ويعود أصل عقد وزارة العمل الجديد إلى جهود فريق العمل المعني بإصلاح الكفالة، الذي شكله وزير العمل السابق كميل أبو سليمان في نيسان/أبريل 2019، بالتنسيق مع منظمة العمل الدولية. 

إذ تم إعداد مسودة عقد موحد لتوظيف عاملات المنازل، مع الحرص على ضمان توافق أحكامه مع قانون العمل اللبناني ومع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 لعام 2011 الخاصة بالعمال المنزليين.

 

واقع العاملات المنزليات الحالي في لبنان

في الأصل يترك العمال والعاملات المهاجرين أوطانهم بحثاً عن لقمة العيش وتحسين معيشتهم ومعيشة أهلهم، ولكن الكارثة تقع عندما يأتون إلى بلد مشبع بالنكبات مثل لبنان ويعاني من قوانين قديمة مجحفة تحرمهم أبسط حقوقهم الإنسانية. 

وقد كان للأزمة الاقتصادية التي أصابت لبنان في السنوات الأخيرة وقعها على العديد من العمال والعاملات المهاجرين الذين أصبح العديد منهم دون عمل، فيما رزح البعض الآخر تحت وطأة المعاملة السيئة من أصحاب العمل واستغلال بعض مكاتب استقدام العمال فيما حاول البعض العودة الى بلاده حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن حقوقه المادية لدى أصحاب العمل مقابل استعادة حريتهم.

بلغ عدد العمال المهاجرين الذين تركوا لبنان بذريعة الأزمة الاقتصادية نحو 30 ألف عامل وعاملة وذلك بحسب تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، لم يعرف إذا ما عادوا الى لبنان مجدداً أم لا. 

ومن الصعب تحديد عدد العمال والعاملات المهاجرين الذين يعيشون في لبنان بدقة، فبحسب تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" نشر في 2020، يعيش ما يقارب الـ250 ألف منهم في لبنان، بالمقابل يتحدث تقرير تقييمي نشرته وكالة الأمم المتحدة للهجرة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، أن هناك تقديرياً حوالي 135 ألف عامل وعاملة من المهاجرين.

وتشير الأرقام الصادرة عن الأمن العام اللبناني حول حركة دخول وخروج العمال والعاملات المهاجرات من والى لبنان بين تاريخ 1/1/2020 وتاريخ 1/1/2022 إلى أنه بلغ عدد الذين غادروا لبنان نحو 106844 بينما عدد الذين دخلوا إليه نحو 24377.

وعلى الرغم من وجود أرقام تقريبية الاّ أنه من الصعب جداً تحديد أرقام دقيقة لعدد العمال المهاجرين الموجودين بصورة قانونية، أي يملكون إقامة وإجازة عمل صالحة.

تمنح وزارة العمل العاملات في الخدمة المنزلية إجازة العمل بصورة سنوية وعليه يتطلب من العاملة القيام بتجديدها سنوياً بحضور كفيلها أو صاحب العمل. 

وبحسب جدولٍ قامت الدولية للمعلومات بإعداده ونشره حول إجازات العمل المعطاة الى العاملات المنزليات بين الأعوام 2014 و2020 تظهر هوّة واضحة بالأرقام بين من يقبلون للحصول على اقامة عمل جديدة ومن يقومون بتجديدها في السنة التالية. 

فإذا قمنا بالتدقيق في الأرقام الواردة في الجدول يظهر سنوياً أن هناك عدداً من العاملات يتراوح بين 20 ألف و40 ألف لا يقمن بتجديد إجازة العمل في المقابل لا يوجد آلية واضحة في الدولة اللبنانية لمعرفة مصيرهن إن بقين في لبنان بصورة غير شرعية أو غادرنه إلى بلادهن. 

وقد حاول المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إجراء مقابلة مع المعنيين في الأمن العام بهذا الملف ولكن قوبل طلبنا بالتجاهل. 

 

مصير العاملات المنزليات المفقودات بحسب الأرقام

إن كان المصير المجهول للعاملات المنزليات اللواتي لا تظهر الإحصاءات تجديدهن إجازات العمل أو مغادرة لبنان، يصب في خانة التسيب في أجهزة الدولة وافتقارها لآليات الرقابة الناجعة، فإن لاختفاء الفتيات أسباب وروايات لا تحصى ولا تعدّ وكلها تجمع على مصيرٍ واحد وهو المعاناة الحتمية من المزيد من الخداع وحرمان الحقوق.

وإن كانت الرواية الشائعة لدى العامة من الناس، هي أن الفتاة تأتي من بلدها لتعمل في ظل "نظام الكفالة"، الذي يبقى ظالماً على الرغم من التعديلات الاخيرة التي شهدها، حيث أنه من أبرز اشكالاته أنه لا يسمح للعاملات بترك العمل لدى  الكفيلالأساسي بدون إذن منه او انهاء العقد دون موافقته الاّ في حال تعرضها لاعتداء من قبله مثبت بالأدلةوالبراهين مع ما يتكبده هذا الأمر من صعوبات.

بالتالي فإنه عندما تنفذ قدرتها على الصبر والتحمل تقوم بترك العمل أو ما كان يعرف سابقاً "بالهروب من منزل صاحب العمل"، وبما أنه جرت العادة أن يقوم صاحب العمل بالتبليغ عن قيام الفتاة بالسرقة فإنها تجبر على الاختفاء والتواري عن الأنظار والعيش بصورة غير شرعية في لبنان.

أما الرواية الحديثة التي لا يعرفها الكثيرون، فهي أن هناك بعض الفتيات يقصدن المجيء الى لبنان بسبب تراخي آليات الرقابة والمحاسبة فيه، وذلك بالاتفاق مع شبكات تعمل على التنسيق مع مكاتب استقدام عاملات منزلية في لبنان، وتقوم هذه الشبكات بإحضار الفتاة بعد أن يقوم صاحب العمل بطلبها، ولكنها تتفق معها على البقاء لديه لفترة معينة ثم الهروب. 

فيما بعد تقوم هذه الشبكات بالتنسيق مع مكاتب واجهتها الظاهرة هي استقدام العاملات الأجنبيات من الخارج، أما باطنها فهو شبكات اتجار بالبشر تقوم باستغلال افتقار الفتيات أوراقهن القانونية كي تستغلهن ان من خلال توظيفهن في أعمال التنظيف لدى الشركات والمؤسسات وجني الأرباح الطائلة من وراء ذلك، أو في أعمال منافية للحشمة كالدعارة وخلافها من الأمور.

 

الأزمة الاقتصادية عززت ثقافة الهروب وسهلت عمليات الاتجار بالبشر

مع اندلاع الأزمة في لبنان، وانهيار العملة، تخلى العديد من أصحاب المنازل عن فكرة استقدام فتاة للعمل لديهم بصورة دائمة، نظراً لارتفاع تكاليف إحضارها وراتبها الشهري الذي تخطى، مع فروقات العملة، مدخول صاحب العمل نفسه ولكن بالمقابل صار اتجاه البحث عن فتاة مياومة وذلك لانخفاض النفقات. 

وانطلاقاً من حاجة السوق المستجدة إلى هذا النوع من الخدمات، ولدت مكاتب توفر لزبائنها هذا الطلب، وتؤمن للراغبين فتاة للعمل بالقدر الذي يحتاجونه ومن مختلف الجنسيات دون أن يتحمل صاحب العمل أي مسؤولية لجهة إحضار الفتاة أو التكفل بطبابتها أو مكان اقامتها او نفقة اطعامها، دون أن يسأل عن تاريخ إقامتها في لبنان وسيرتها الذاتية فكل ما عليه هو دفع راتبها المتفق عليه سلفاً مع صاحب المكتب، وهذا الأمر عزز عمل هذه المكاتب ووسع دائرة عملها.

يوضح "علي وهبة" صاحب مكتب لاستقدام العاملات المنزليات، أن قيام أي مكتب بتأمين فتاة بشكل مياوم هو عمل غير شرعي يتأتى عنه تبعات كارثية يدفع ثمنها صاحب العمل بالدرجة الأولى، فالمكتب الذي يعمل بصورة قانونية يقوم بتأمين فتاة وفقاً للأطر المنصوص عليها لدى كل من وزارة العمل والأمن العام.

وهذه الأطر تضمن حقوق صاحب العمل في حال قامت الفتاة بسرقته والهروب كذلك تؤمن سلامة الفتاة من الناحية الصحية وأنها تخلو من الأمراض.  

يشير "وهبة" إلى أن "ثقافة الهروب" أو ترك العمل موجودة في لبنان منذ مدة طويلة وذلك بسبب غياب القوانين الرادعة والقاسية في المحاسبة فعندما تترك الفتاة المنزل يقوم الكفيل بإبلاغ الأمن العام فيحصل على ورقة رفع مسؤولية وتنتهي القصة هنا. 

وصحيح أن مهمة الأمن العام هي العثور على الفتاة ولكن هناك الآلاف المؤلفة سنوياً من الفتيات اللواتي يتركن منزل كفيلهن فأين سيذهب الأمن العام بهم في ظل إمكانيات الدولة الراهنة؟ بالمقابل فإنه لا يوجد غرامات قاسية تفرض على من يقوم بتشغيل فتاة لا تملك اوراقاً قانونية وبالتالي فإنه حتى لو ألقي القبض عليه ودفع الغرامة فإنه يبقى ذلك أوفر من تكبد عناء إحضار فتاة على اسمه. 

يلفت "وهبة" إلى أن أخطر ما يحصل في هذا المجال، هو قيام عدة مكاتب استقدام العاملات المنزليات، بتسجيل هروب الفتيات بعد إجراء الفحوصات الطبية لهم والتبين من إصابتهم بأمراض خطيرة مثل "السلّ" وفيروس نقص المناعة" أو "السيدا". 

وأضاف أنه في المقابل تلجأ الفتاة الهاربة إلى معارفها ممن سبق أن هربن من الفتيات واللواتي يساعدنها بالعثور على عمل عن طريق شركات خاصة تؤمن العاملات للفنادق والمطاعم والمستشفيات وهذا أخطر ما في الأمر. فأي مستشفى تقوم بتوظيف عاملة أجنبية تكون غير معنية بإجراء الفحوصات لها، فهي ملتزمة فقط بالعقد مع الشركة التي قامت بإحضارها، وبالتالي فإنه من الممكن أن تنتقل فتاة حاملة للمرض بين المرضى دون أن يعرف أحد ذلك.

يجزم "وهبة"، أن الشركات التي تقوم بتشغيل فتيات دون أوراق قانونية تتمتع بدعم جهات سياسية نافذة، ذلك أن معظمها يعمل في وضح النهار حيث تقوم بتجميع الفتيات بباصات تحمل اسم الشركة في أماكن محددة عند ساعات محددة، وتوصلهن إلى أماكن العمل ثم تعيدهنّ عند انتهاء الدوام.

تعيش معظم العاملات المنزليات اللواتي لا يملكن أوراقاً قانونياً في تجمعات محددة في مناطق معروفة في لبنان، وبعضهن بحسب وهبة يلجأن إلى ممارسة الدعارة سعياً لكسب المزيد من المال مع ما يحمله هذا الأمر من مخاطر صحية نتيجة إصابة بعضهن بأمراض معدية فضلاً عن ما يعنيه ذلك من تسيّب أخلاقي في المجتمع، بالمقابل تبدو القوى الأمنية غير مهتمة بوضع حد لمثل هذه المظاهر المكشوفة أمام جميع الناس والأماكن والأشخاص والجنسيات. 

يرى "وهبة"، أنه من الصعب في ظل الواقع الاقتصادي المرير الذي تشهده البلاد، أن يتم وضع حدّ لمثل هذه الظواهر سيماً وأن السجون مكتظة والقوى الامنية لن تتحرك لإيقاف عاملات "لن يأتي منهن سوى بالمزيد من المشاكل" والتكاليف الباهظة التي تعجز الدولة في وضعها الحالي عن تكبدها، وأن الحل يبدأ عندما تمنع البلديات في المناطق تأجير أشخاص لا يملكون اوراقاً قانونية وإجازة عمل مهما كانت جنسيتهم.

وقد حاول المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان الاستفسار أكثر عن موضوع تراخي القوى الأمنية مع بلاغات الاشتباه في حالات الدعارة، دون أن يتسنى له ذلك.

إلا أن مصادر مطلعة أكدت جهوزية عناصر القوى الأمنية وتحركها فور ورود أي بلاغ مشابه، كما دعت هذه المصادر الفتاة التي تتعرض لعنف أو استغلال إلى التوجه نحو أقرب مخفرٍ لتأمين الحماية اللازمة لها.

 

دور وزارة العمل في مكافحة هذه الظواهر

بحسب رئيسة قسم دائرة التفتيش والعمل والوقاية والسلامة في وزارة العمل "جومانا حيمور"، فإنه في حال تركت الفتاة منزل كفيلها، فإن هذا الأمر فضلاً عن شروط تحميل المسؤولية إلى أحد الأطراف، يدخل ضمن قرار يتعلق بتنظيم عمل مكاتب استقدام العاملات. 

وخلال فترة الثلاثة أشهر الأولى يتحمل مكتب الاستقدام مسؤولية العلاقة بين الطرفين  (الكفيل أو صاحب العمل والعاملة) أو في حال تركت العاملة المنزل خلال هذه الفترة يكون المكتب مسؤولاً عن هذا الأمر فإما يقوم بإعادة المبلغ المدفوع أو باستقدام عاملة أخرى بديلة.

وبعد مرور ثلاثة أشهر على الاستقدام لا يعود المكتب مسؤولاً عنها وتصبح المسؤولية على عاتق صاحب العمل. أما دور الوزارة فيكون قبل انتهاء فترة الثلاثة أشهر، في ضمان تحصيل حق الكفيل ولا يدخل ضمن مهامها البحث عن الفتاة في حال تركت العمل فلا صلاحية ولا إمكانية   للوزارة للقيام بذلك.

على الرغم من كل ما يتضمنه نظام الكفالة من إجحاف بحق العاملة المنزلية إلا أنه لا يفرض احتفاظ الكفيل بأوراق العاملة القانونية وهو الامر الاكثر شيوعا في لبنان، وعليه وبحسب الوزارة، فإنه في حال تركت العاملة المنزل وبحوزتها أوراقها تبقى اجازة العمل الخاصة بها صالحة لمدة عام إلا إن قام صاحب العمل بتقديم طلب إلغاء لها. 

وبكل الأحوال لا يمكن للفتاة إصدار إجازة عمل جديدة مع شخص آخر قبل حصولها على تنازل من صاحب العمل القديم لمصلحة صاحب العمل الجديد.

تمنح وزارة العمل شركات التنظيف الحق بتقديم طلب الحصول على اجازة عمل للفتيات بصفة "عاملة تنظيفات" فئة ثالثة، وعلى ضوء ذلك تقوم الشركة بالتقدم بطلب الحصول على اجازة العمل للفتيات من الوزارة. 

تعاني وزارة العمل من الضعف في آليتها الرقابية حول مدى تنفيذ القانون والعقود من قبل المكاتب وأصحاب العمل والعاملات في الخدمة المنزلية أو التنظيفات، إذ ليس لمفتشي الوزارة الحق في دخول بيوت أصحاب العمل للتأكد من تنفيذ العقود ومهمتها محصورة بتفتيش مكاتب الاستقدام، ويقوم المكتب بتجديد أوراقه سنوياً في الوزارة، ومن خلال ذلك يتم معرفة حجم العمالة السنوية في لبنان.

أما في حال وجود أي شكوى عن تعرض فتاة للتعذيب وسوء المعاملة فإنه بإمكان وزارة العمل ارسال مفتشيها للتأكد من صحة الموضوع، ولكن بإمكان صاحب العمل، أيضاً، أن يرفض استقبالهم وعندها يتم الاستعانة بالقوى الأمنية. أما بالنسبة لمكاتب الاستقدام فإن للوزارة الحق في تفتيشها متى أرادت ذلك.

تتمسك وزارة العمل اللبنانية بحقها القانوني بالمراقبة وذلك بالتعاون مع الأمن العام ومنع أي تسيّب يتعلق بتشغيل عاملات في الخدمة المنزلية أو التنظيفات دون أوراق قانونية، وعليه تدعو أي شخص يمتلك معلومات أو معطيات عن شركة تنظيفات تقوم بمثل هذه الأفعال أن يقوم بتبليغ الوزارة للتحرك واتخاذ الإجراء القانوني بحقها، شريطة أن تكون هذه الشكوى مدعومة بالتفاصيل التي تتعلق باسم الشركة التي تقوم بهذه الأفعال ومكان عملها.

 

الواقع اللبناني يعزز تعرض العاملات المنزليات للاستغلال

إن عقد العمل الموحد للعاملات في الخدمة المنزلية، يضمن بديهيات الحقوق التي من المفترض على العاملة التمتع بها، الاّ أنه لا يتحدث عن آلية رقابية واضحة وسلسة لضمان تطبيقه، كما انه وعلى اعتبار أن قانون العمل لا يزال يستثني العاملات المنزليات فإن العقد لم يمنحهن الحق بإنشاء النقابات والتجمعات التي تطالب بحقوقهن.

على أن التحركات التي خاضها المجتمع المدني اللبناني خلال السنوات المنصرمة ضد "نظام الكفالة" المجحف، دفعت نحو تشكيل نقابة للعاملات والعمال في الخدمة المنزلية، لم تنجح بالحصول على موافقة وزارة العمل إلا أنها عقدت مؤتمراً تأسيسياً لها في العام 2015، وانتزعت رقماً لطلب العلم والخبر في انتظار صحوة ما. سعت هذه النقابة في السنوات المنصرمة إلى توعية العاملات المنزليات حول حقوقهن كما حاولت الدفاع عنهن إزاء ما يتعرضن له من استغلال على مختلف الأصعدة.

يرى رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان "كاسترو عبدالله"، أن الظلم الواقع بحق العاملات المنزليات يتم بتنسيق تام بين وكالات التشغيل في الدول المصدرة للعمالة وبعض مكاتب استقدام العاملات في لبنان وأن الوزارات تغض الطرف عن الموضوع لأنه يعود بالعملة الصعبة ويخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية.

وذكر أن هروب الفتاة يتم الاعداد له مسبقاً قبل دخولها الى البلد ويفرض عليها في كثير من الأحيان بالقوة. حيث يطلب منها البقاء المدة القانونية لتولي صاحب المكتب المسؤولية تجاه صاحب العمل وهي ثلاثة أشهر، حتى لا يتحمل تكلفة تركها للمنزل، ثم يصار إلى سحبها وتشغيلها بأماكن أخرى، بينما لا يبقى أمام صاحب العمل سوى التقدم بشكوى أمام الأجهزة الأمنية.

ويشدد "عبدالله" على أن الحلّ يكون بإعطاء "المؤسسة الوطنية للاستقدام الصلاحية" بمتابعة كل هذه القضايا ووضع حد لكل هذه الفوضى، فضلاً عن تعديل قانون العمل بما يتماشى مع إعطاء حقوق العاملات ومراعاة الاتفاقيات الدولية. 

وضرب مثالاً عن عاملة منزلية حاولت العمل لدى عدة منازل وفي الختام قررت العودة الى بلادها لكن المكتب رفض التجاوب معها ذلك أن مدة الثلاثة أشهر لم تنتهي بعد، متوقعاً أن نهايتها هي الهروب والوقوع ضحية شبكات الاستغلال الرائجة. ومثالاً آخر لفتاة عملت في لبنان لمدة ست سنوات ثم سافرت إلى أهلها دون أن تحصل على كامل مستحقاتها وعندما عادت الى لبنان، ألقي القبض عليها بتهمة السرقة التي تقدمت بها صاحبة العمل القديمة، وكل ذلك لأنها لا تريد أن تدفع لها مستحقاتها والى يوم قضيتها عالقة في المحاكم.

 

لا حماية لضحايا الاتجار بالبشر ولا معاملة خاصة

إذاً تغادر الفتاة العاملة في الخدمة المنزلية منزل أصحاب العمل، إما لظلمٍ لاحق بها أو ظلمٍ مفروض عليها لا تستشفّه منذ البداية إذ تتعرض لإغراءات الحرية والمال الوفير، قبل أن تجد نفسها عرضة لاستغلال لا ولن ينتهي. وما من خيارات تحميها فلا قوانين عادلة ولا آليات رقابية تقوم بتحصيل حقوقها على نحو صادق جديّ ومستقل بعيداً عن مشقات تأمين الإثبات والأدلة.  

وبحسب المحامية "موهانا اسحق" من جمعية "كفى"، عندما تغادر الفتاة منزل كفيلها فإنها تلجأ لأشخاص تعرفهم من جنسيتها، لأنها تصبح عالقة إذ لا يمكنها مغادرة لبنان وفي نفس الوقت لا يمكنها العمل بشكل قانوني إلا إذا أعطاها صاحب العمل تنازلاً، نادراً ما يحصل وذلك لأنها في الاساس تركت المنزل دون موافقته. هنا يجري استغلالها في أعمال الدعارة أو تتعرض للعنف ويصار الى استغلالها جنسياً من قبل جهات تستفيد من وضعها غير القانوني وأن ليس لديها إقامة.   

إذ أنه في أغلب الأحيان عندما تغادر الفتاة المنزل يقوم صاحب العمل أغلب الأحيان بالتقدم بشكوى سرقة ضدها، فيصدر بلاغ بحثٍ وتحري بحقها من قبل الامن العام وعندما تقوم القوى الأمنية بإلقاء القبض عليها تتم احالتها الى القضاء المختص، في حال كان هناك ملف قضائي بحقها أو إن لم يكن هناك من ملف تتحول إلى الأمن العام.

تشير اسحق إلى أن جمعية "كفى" وغيرها من الجمعيات الناشطة في حقوق المرأة تعمل على تدريب عناصر القوى الامنية حول كيفية التعاطي مع العاملات المنزليات والتحقيق معهن ولكن بالطبع فإن هذه التدريبات هي محدودة جداً ، ولا تطال إلاّ عدداً قليلاً منهم وبالتالي فإن التدريبات العامة التي يخضع لها عناصر القوى الأمنية حول كيفية التعاطي مع الموقوفين تنطبق على التعاطي مع العاملات المنزليات.

في المبدأ، عندما تهرب الفتاة من منزل كفيلها عليها ان تعلم انها باتت وحدها في المجتمع وأنها ستعاني كثيراً، إذ لا يوجد من سيقدم لها المعونة بالمجان. 

وبالنسبة لجمعية "كفى" تلفت إسحق أن الجمعية تقدم المساعدة للعاملة في حال تعرضت لعنف جنسي أو جسدي أو أي استغلال أثناء وجودها في منزل كفيلها حصراً، ولا تقدم الجمعية مساعدات على هيئة إعادة الفتاة إلى بلادها.

ترى جمعية "كفى" بأن استغلال العاملات المهاجرات في أعمال الدعارة من قبل شبكات معينة هو شكل من أشكال الاتجار بالبشر والعنف واستغلال النساء، وعليه فإنه في حال ضبط مثل هذه الشبكات تتعاون مع الأجهزة الأمنية على تقديم الحماية للنساء والمعرضين للاستغلال في هذه الشبكة.

في لبنان هناك القانون رقم 2011/164 لمعاقبة جريمة الاتجار بالبشر، والمادة 586 منه تتحدث عن معاقبة الأشخاص الذين يقومون بهذه الأفعال، لكن بحسب اسحق فإن ذلك لم يؤمن حمايةً حقيقية للضحايا فالدولة لا تملك الإمكانيات اللازمة لذلك،ويصار إلى الاتكال على بعض الجمعيات ذات القدرات المحدودة للمساعدة في هذا المجال.  

بينما تتعاطى القوى الامنية مع الضحايا مثلهم مثل أي موقوف بجريمة أخرى فليس هناك من نظام حمائي لهم وامكانات القوى الامنية محدودة في مجال تأمين المأوى والخدمات لهم وبالتالي يصار الى الاتكال على الجمعيات في حال وجدت للمساعدة. 

وتجد اسحق أن الدولة اللبنانية اليوم في حالة انهيار شامل ولا يوجد لديها ولا لدى القوى الأمنية القدرة على معالجة هذه المسألة لأنها تحتاج قدرات مالية وتأهيلية على مستوى كبير جداً، وأن هذا الأمر صعب جداً في الوضع الراهن.

 

التزامات لبنان المحليّة والدولية

كثيراً ما يتم تناول قضية العاملات في الخدمة المنزلية من منطلق إنساني يتم حصره بحقوق العاملة باعتبارها العنصر الأضعف في هذه القضية وهي كذلك بالطبع، ولكن من ناحية أخرى فإن التسيب في الواقع الصحي لهذه العاملة وانعكاسه على البلد في ظل الأوضاع الراهنة يفرض تحرك الدولة اللبنانية لحماية مواطنيها إن على الصعيد الصحي او الاجتماعي سيما وأنها أثبتت عجزها في غير مرة.

من ناحية أخرى تأتي التزامات لبنان الدولية لتضع الدولة بكافة أجهزتها تحت المجهر الرقابي، فلبنان وقع في العام 1972 على الشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تتحدث عن حق كل شخص وظروف عمل عادلة مواتية.

كما صادق على اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحماية العاملات المنزليات عام 1977 وهي:"اتفاقية إلغاء العمل الجبري" رقم 105. 

والاتفاقية رقم 111 "بشأن التمييز في مجال الاستخدام والمهنة"، التي تحظر أي تمييز على أساس الجنس في الاستخدام وظروف العمل. 

وبناء على ذلك فإن الدولة اللبنانية اليوم مطالبة بإدخال تعديلات ضرورية على قانون العمل لديها ليشمل العاملات في الخدمة المنزلية. 

أضف إلى أن تهميش حقوق العاملات على هذا النحو يزعزع مبدأ المساواة في الحماية من جهة ويخالف التزام لبنان بـ"اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة" (سيداو)، التي وقع عليها لبنان منذ العام 1997، و"الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" 1971. 

إذا إن لبنان مدعو اليوم الى وضع حد لحالة الفلتان الأمني والاجتماعي الذي يعاني منه ليس حمايةً لمجتمعه وحسب بل نصرةً لالتزامات دولية سيحاسب عليها.