الأراضي الفلسطينية - قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن من تُكتب لهم النجاة من غارات إسرائيل المتواصلة جوًّا وبرًّا وبحرًّا على قطاع غزة يواجهون خطر الموت الوشيك بسبب الأمراض والنقص الحاد بالأدوية في وقت تتفشى فيه الأوبئة بشكل خطير.

وأدان المرصد الأورومتوسطي بأشد العبارات منع وتقييد السلطات الإسرائيلية توريد الأدوية إلى المستشفيات والصيدليات في قطاع غزة، لا سيما في مدينة غزة وشمالي القطاع، معتبرًا أن ذلك يمثل حكمًا بالموت على آلاف الجرحى والمرضى، وجزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية، وأداة أخرى من أدوات تنفيذ هذه الجريمة التي يُراد منها وبشكل مخطط ومقصود إلحاق الأضرار الجسدية والعقلية الخطيرة بالسكان وإخضاعهم لظروف شديدة القسوة تؤدي في نهاية المطاف إلى هلاكهم الفعلي.

وبحسب شهادات جمعها فريق الأورومتوسطي من مسؤولين طبيين وأصحاب صيدليات، فإن معاناة المرضى في قطاع غزة تتفاقم بشكل غير مسبوق بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على جريمة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين.

وقال المسئولون الطبيون إنهم يواجهون أزمة حقيقية ونقصًا كبيرًا في أغلب أصناف الأدوية ومسكنات الألم، وغيرها من مستلزمات الرعاية الصحية الأولية والعناية المركزية والطوارئ، فيما يمتد النقص ليشمل حتى حليب الأطفال واللقاحات الخاصة بالأطفال.

وذكر الأورومتوسطي أن هذا الوضع غير الإنساني ينعكس بشكل وخيم على واقع المستشفيات ومتلقي الرعاية الطبية.

قال "هيثم محمد" (41 عامًا) إن الديدان ظهرت بكثافة في جروح نجله البكر "خالد" (11 عامًا) بسبب عدم توفر المعقمات اللازمة عند خضوعه لعملية جراحية في مستشفى "شهداء الأقصى" في دير البلح وسط قطاع غزة.

وأفاد "محمد" أن نجله أصيب بشظايا صاروخ أطلقته طائرة حربية إسرائيلية قرب منزلهم قبل نحو أسبوع، وقد خضع للعملية الجراحية دون تخدير تقريبًا، ويعاني منذ ذلك من جروح ملتهبة وبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية، في وقت أخبره الأطباء بعدم توفر أي مضادات تناسب هذه البكتيريا.

وفي إفادة أخرى، قالت السيدة "غادة سعيد مرجان" (37 عامًا) إن أطفالها الثلاثة مصابين بالقيء الشديد، وقد بحثت في غالبية الصيدليات العاملة في رفح جنوبي قطاع غزة بحثًا عن دواء لحالتهم لكن دون جدوى.

لكن الأخطر من ذلك هو تداعيات نقص الأدوية على أصحاب الأمراض المزمنة.

قال "شعبان شراب" (51 عامًا) لفريق الأورومتوسطي إنه يكافح منذ ثلاثة أسابيع في البحث عن أي علاج مناسب لابنته (26 عامًا) المصابة بسرطان الرئة ولم تتلق أي جرعات علاج بالكيماوي منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي، ما سبب تدهورًا بالغًا في حالتها الصحية.

أما السيدة "خولة ربحي" (45 عامًا) النازحة في رفح جنوبي قطاع غزة، فإنها تعاني من مرض السكري من النوع الأول، ولا ينتج جسمها كمية كافية من الإنسولين الذي ينظم نسبة السكر في الدم، وتتدهور حالتها بشدة منذ خمسة أيام بسبب عدم العثور على جرعات الإنسولين.

وجمع المرصد الأورومتوسطي شهادات لستة من أصحاب الأمراض المزمنة في مناطق وسط وجنوبي قطاع غزة -بينها مريض بالقلب وآخر يحتاج غسيل كلي- يعانون جميعهم من تدهور صحي متزايد في ظل انعدام أدوية ورعاية صحية يحتاجونها.

وقال الأورومتوسطي إن ما يدخل من مساعدات طبية شحيحة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي مع مصر يكون أغلبها عبارة عن أدوية تخدير وأخرى مخصصة للعمليات الجراحية وما بعدها، من دون أن تحتوي على أدوية لعلاج الأمراض المزمنة وحالات مرضية أخرى.

وذكر أنه في وقت تتفشى فيه الأمراض والأوبئة في مراكز النزوح المكتظة بشدة، فإن الكميات المتوفرة من الأدوية الخاصة بالأمراض التنفسية والنزلات الرئوية وتلك الخاصة بالأمراض المزمنة مثل ضغط الدم والسكري تبقى شحيحة للغاية ويكاد رصيدها يقترب من الصفر، ما نتج عنه تردي الحالة الصحية لعشرات الآلاف من المرضى.

وأبرز المرصد الأورومتوسطي خطورة نفاد أدوية الأمراض المزمنة، ما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة على حياة المرضى، خاصة أمراض القلب وضغط الدم المرتفع، والسكري والدهون والكوليسترول، وغيرها من الأمراض.

إلى جانب ذلك، تواجه المستشفيات نقصًا شديدًا في مستلزمات التخدير والسوائل الوريدية والإنسولين، فيما تتعطل المعدات الطبية عن العمل بشكل متزايد في المستشفيات (مثل أجهزة المراقبة، وأجهزة التنفس الصناعي، والحاضنات، والأشعة السينية والأشعة المقطعية، وأجهزة التحليل، وأجهزة التخدير)، والتي تعتمد على الكهرباء.

يضاف إلى ذلك خطورة عدم توفر عدد كبير من أدوية المضادات الحيوية، الأمر الذي يتسبب في زيادة التهاب الجروح، وغالبية مسكنات الألم ومراهم الجروح، فضلًا عن المستهلكات الطبية، بما في ذلك المطهرات التقليدية مثل "اليود". كما أن العشرات من النساء الحوامل تعرضن للإجهاض جراء نفاد الأدوية المميعة للدم -التي تمنع تجلط الدم- والمقويات والفيتامينات.

بموازاة ذلك، يواجه قطاع غزة نفادًا خطيرًا في مخزون اللقاحات، ما يساهم في حدوث آلاف حالات الأمراض المعدية في مراكز إيواء النازحين، بينما تشكل بقايا جثث القتلى المتحللة خطرًا جسيمًا يزيد من خطر حدوث أزمة في الصحة العامة.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، يوجد حاليًّا في القطاع أكثر من ألفي مريض بالسرطان و 1.100 مريض بحاجة لغسيل الكلى ونحو 50 ألف مريض مصاب بأمراض القلب والأوعية الدموية، وأكثر من 60 ألف مريض بالسكري، وغيرهم من آلاف أصحاب الأمراض المزمنة دون رعاية صحية فعلية.

يأتي ذلك في وقت تعمل تسعة من أصل 36 مستشفى حاليًا، و18 من أصل 72 مركزًا للرعاية الصحية في قطاع غزة، بينما يبلغ متوسط إشغال الأسرّة في المستشفيات العاملة 350%، ونسبة إشغال الأسرّة في وحدة العناية المركزة 260%، وفق أرقام صادرة عن منظمة الصحة العالمية التي تبرز كذلك النقص الحاد في الوقود والمياه والغذاء والكهرباء في المستشفيات والمرافق الطبية التي تعاني من عبء شديد ما يجعلها غير فعالة.

إلى جانب ذلك، تواجه مستشفيات غزة تحديات نقص الطاقم الطبي، بمن في ذلك الجراحون المتخصصون وجراحو الأعصاب وطواقم العناية المركزة، خاصة في ظل صعوبة وصول الغالبية العظمى منهم إلى المستشفيات، إما بسبب النزوح أو صعوبة التنقل أو خشية الاستهداف في ظل الهجمات المستمر ة. أدى ذلك بشكل أساسي إلى تقديم  مستوى من الخدمات الطبية يعتمد على السعة المتقلبة والحد الأدنى من الإمدادات.

وحذر المرصد الأورومتوسطي من أنه دون الأدوية والإمدادات الطبية والاحتياجات الأساسية الأخرى سيموت عشرات آلاف المرضى في قطاع غزة ببطء وبشكل مؤلم، ما يبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، لتعزيز وإعادة تزويد المرافق الصحية المتبقية، وتقديم الخدمات الطبية التي يحتاجها الجرحى والمرضى.

وأكد الأورومتوسطي أن جرائم إسرائيل هذه ترتكب في إطار الإبادة الجماعية وضمن حملة العقاب والقتل الجماعي، على النحو الذي يعتبر الأشد دموية في التاريخ الحديث، وعلى أكثر من 2.3 مليون نسمة في قطاع غزة، بما يمثل انتهاكًا جسيمًا ومنهجيًّا للقانون الدولي، وبخاصة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وجدد الأورومتوسطي مطالبته أطراف المجتمع الدولي، لا سيما الدول الموقعة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، واتفاقيات جنيف، بالاضطلاع بمسؤولياتها بصورة حاسمة ووقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد سكان قطاع غزة، وتوفير الحماية للمدنيين ومرافق الرعاية الصحية وتزويدها بالموارد اللازمة فورًا وضمان عدم استهدافها أبدًا، ومعاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم والانتهاكات.