قررت محكمة العدل الدولية أمس الجمعة فرض تدابير مؤقتة على إسرائيل في معرض نظرها في الدعوى التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل لانتهاكها التزاماتها بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها خلال تنفيذها لعملياتها العسكرية التي تشنها ضد قطاع غزة وسكانه الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول ٢٠٢٣.

إن قرار المحكمة بالموافقة بإصدار تدابير مؤقتة في القضية، يعد ابتداء قرارا من المحكمة بانعقاد اختصاصها في النظر والفصل في موضوع الدعوى بكافة مراحلها، ويعتبر بحد ذاته اقرارا من المحكمة بوجود 'شك معقول' بأن إسرائيل تنتهك التزاماتها المترتبة على عاتقها كدولة طرف في الاتفاقية في منع و/أو عدم ارتكاب و/أو التحريض و/أو عدم المعاقبة على الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة خلال وبسبب عدوانها على قطاع غزة الذي دخل شهره الرابع.

إلا أن خلو القرار من تدبير خاص يلزم إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في وضد قطاع غزة، وإن كان متوقعا، فهو أمر مؤسف، ويضيف مزيدا من الخذلان من تقاعس وفشل المنظومة الدولية تجاه ما يحصل في غزة، وأن غياب هذا النص يثير مسائل حساسة، لا سيما عن كيفية الفصل ما بين السماح باستمرار العملية العسكرية ومنع الإبادة، خاصة وأن الهدف الحقيقي للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة هو بالأساس إبادة الفلسطينيين وتهجيرهم قسريا خارجه، وضم الأرض، كما أن غيابه، يضيف تعقيدا على آليات إلزام ومتابعة تنفيذ إسرائيل بقرار المحكمة على المستوى الدولي.

ومع ذلك، ورغم الإحباط المُتفهم لدى الفلسطينيين، يجب ألا يقلل من أهمية قرار المحكمة، باعتباره يلزم إسرائيل بالامتناع والتوقف فورا عن ممارسة أية من الأفعال التي تندرج ضمن إطار تعريف جريمة الإبادة الجماعية وأركانها، كتلك الأفعال التي ذكرتها المحكمة بوضوح في مقدمة قرارها، وعلى رأسها قتل المدنيين، والتجويع والحصار ومنع المساعدات، وتدمير الممتلكات، والتهجير القسري الواسع إلى أماكن ليست أكثر أمنا، والأوضاع الصحية الكارثية التي يواجهها أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع.

ويجب التحذير في هذا السياق من خطر من التساوق مع رواية اسرائيل وحلفاؤها، الهادفة إلى تفريغ القرار من مضمونه وقوته، بالقول بأنه لم يأت بالشيء الجديد والملزم- باعتبار إسرائيل بجميع الأحوال ملتزمة في عملياتها العسكرية في قطاع غزة، بل على العكس، فكون المحكمة لم تطرق مطلقا إلى ادعاءات إسرائيل المتعلقة بحق الدفاع عن النفس، ومحاولاتها بالتشكيك من دوافع رافع ورفع الدعوى ضدها، وأن لا أساس للدعوى، هو دحض صريح لكل هذه الادعاءات واعتبارها غير زي صلة ولا تبرر الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في القطاع، بل وأن هذا القرار وسرعة اتخاذه نسبيا يدلل، وكما قالت المحكمة، على أن هنالك حالة طارئة وخطر حقيقي ووشيك قد يتسبب في إلحاق ضرر لا يمكن إصلاحه بحقوق الفلسطينيين في قطاع غزة وحقهم في الحماية من الإبادة الجماعية كما هو منصوص عليه بالاتفاقية.

ولا بد من التنويه إلى الأهمية الخاصة التي أعارتها المحكمة لبعض التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين، واقتباسها حرفا، لا سيما تصريح يوآف جالانت، الذي وصفنا من خلاله ب"الحيوانات البشرية"، والتي استندت عليها المحكمة في وزن البينة وتسبيب القرار، باعتبار أن هذه التصريحات، ضمن جملة ظروف أخرى، تشير إلى وجود خطر الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وهذا عكس ما أرادته إسرائيل وادعت به مسبقا أمام المحكمة، باعتبارها تصريحات عفوية ومأخوذة من سياقها وفردية.  

   خلو القرار من تدبير خاص يلزم إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في وضد قطاع غزة، وإن كان متوقعا، فهو أمر مؤسف، ويضيف مزيدا من الخذلان من تقاعس وفشل المنظومة الدولية تجاه ما يحصل في غزة.   

وتجدر الإشارة إلى أهمية قيام المحكمة بإفراد تدبير خاص بالمساعدات الإنسانية، وإلزام إسرائيل بموجبه على اتخاذ إسرائيل تدابير فورية وفعّالة لتمكين تقديم الخدمات الأساسية والمساعدة الإنسانية الملحة للتعامل مع الظروف الصعبة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة، وهذه أول مرة تقوم بها المحكمة بإصدار تدبير من هذا النوع، مقارنة بالقضايا المشابهة التي نظرت فيها سابقا.  

ومن المهم القول، أنه وبغض النظر عن صيغة قرار المحكمة، وإلزاميته الحتمية لإسرائيل، فإننا سنصطدم بالنهاية بجدار الانحياز الاستعماري في مجلس الأمن، وستلوّح أمامنا بطاقة مرور إسرائيل وإفلاتها (الفيتو الأمريكي)، كون المحكمة لا قوة إنفاذ لقراراتها عند عدم التنفيذ، سوى مجلس الأمن، إلا أنه من الضروري الإشارة إلى أن التدابير المؤقتة التي قضت بها المحكمة ترتب التزامات آمرة على عاتق المجتمع الدولي ككل، لا سيما الدول الأطراف باتفاقية الإبادة الجماعية، وليس فقط إسرائيل، للعمل من أجل منع ووقف الإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزة، الذي أصبح الاشتباه بوقوعها حقيقة الآن.

في النهاية، يجب النظر إلى هذا القرار باعتباره أداة مستجدة، وليست "الأداة" نحو تحقيق العدالة والإنصاف للفلسطينيين، وخطوة جوهرية في كسر حصانة إسرائيل التي باتت من المسلمات مؤخرا، ويؤسس لاستراتيجية دولية وإقليمية ووطنية غير مسبوقة ومهمة للمراكمة عليها لملاحقة ومساءلة إسرائيل على جرائمها المرتكبة بحق الفلسطينيين، وعلى رأسها الإبادة الجماعية، وزيادة الضغط عليها لإنهاء عدوانها على القطاع ومطالبتها بالتعويضات، وقد يحرج هذا القرار المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام، وقد يكون له أثر على تفعيل الاختصاص القضائي العالمي، كما وقد يمهد الطريق أمام الدول والمنظمات الدولية والتحركات الشعبية للتحرك باتجاه فرض العقوبات ومقاطعة إسرائيل، على نحو أوسع ولربما أكثر أمنا، كون أن القول هذه المرة جاء من أعلى محكمة في العالم، بأن اسرائيل تفعلها مرة أخرى (الإبادة الجماعية).