في الشواطئ الجنوبية لأوروبا، حيث تخفي الأضواء أزمة الوافدين، تكمن حقيقة مروعة تحجبها البيروقراطية واللامبالاة. في ليلة سبت تقشعر لها الأبدان، أنهى شاب صغير حياته داخل المركز الدائم للترحيل ببونتي جاليريا في إيطاليا. "عثمان سيلا"، البالغ من العمر 22 عامًا، حفر أفكاره الأخيرة برماد سيجارة، ورسم وجهه ليؤكد وجوده، واحتياجه إلى وطن وحضن أم. قصته، منذ وصول القاصر الوحيد للمركز قبل ست سنوات إلى خبر الانتحار المؤلم، تلخص نظامًا محفوفًا بالوحشية المؤسسية واليأس. وبينما تتلاشى كلماته الأخيرة على جدران الزنزانة الباردة في مركز احتجاز أوروبي، تسلط قصته الضوء على الحقيقة المظلمة لقضية المهاجرين ــقضية الإهمال والحبس، وفي نهاية المطاف، نداء للإنسانية في مواجهة القسوة البيروقراطية.

إن مشهد وصول القوارب المحملة بالبشر إلى السواحل الجنوبية لأوروبا لا يعكس البتة الظروف والتجارب التي يعيشونها بعد عمليات الإنزال. حيث يحظى العنف المؤسسي الذي يواجهه كل من النساء والرجال غير المسجلين في قوائم الوصول، وتحديدًا في الأماكن التي يلتمسون فيها الحماية، بالقليل من الاهتمام.

ليلة السبت الموافق 3 شباط/فبراير، انتحر شاب في المركز الدائم للترحيل في إيطاليا. "عثمان سيلا"، البالغ من العمر 22 عامًا تقريبًا، انتحر شنقًا على المشارف الجنوبية الغربية لروما.

   الظروف المهينة التي يُحتجز فيها المهاجرون، والتي لا تمكنهم حتى من الوصول إلى زر تشغيل أو إطفاء الأضواء، تؤدي عادة إلى أعمال إيذاء النفس، والعنف والفوضى والانتحار   

وكتب "سيلا" قبل وفاته رسالة ببقايا سيجارة على جدار الزنزانة دون فيها انتقادًا لاذعًا للسلطات الإيطالية وكتب "الحرس الإيطاليون لا يفهمون أي شيء إلا المال، أشتاق لإفريقيا كثيرًا، وأفتقد أمي أيضًا،.. أرجوك لا تبكي من أجلي، أريد فقط أن تتعافى روحي، أن أرقُدَ في سلام"

بعد وصوله إلى إيطاليا بمفرده قبل ست سنوات، تنقل "سيلا" بين مراكز الاستقبال المختلفة قبل أن يلقى مرسومًا بالطرد في تشرين أول/أكتوبر 2023، حيث تم احتجازه في المركز الدائم للترحيل في تراباني، في صقلية، ولكن تم نقله إلى روما في 22 كانون ثانٍ/يناير بعد اندلاع حريق في المنشأة .

وبموجب القوانين القديمة، كان من الممكن أن يغادر "سيلا" المركز الدائم للترحيل في 13 كانون ثانٍ/يناير، لكن مرسوم "بيانتيدوسي" (Piantedosi)، الذي أطلقته الحكومة اليمينية المتطرفة في أيار/مايو الماضي، مدد فترة الاحتجاز قبل إعادته إلى وطنه لمدة تصل إلى 18 شهرًا.

ومراكز الاعتقال الإداري، الذي أنشئ عام 1998 وتديره شركات خاصة، هو عبارة عن مراكز احتجاز إداري يُحتجز فيه المهاجرون الخاضعون لأوامر الطرد في انتظار إعادتهم إلى وطنهم، إلا أن عمليات إعادة المحتجزين تظل منخفضة للغاية، حيث تتراوح بين 23% و25%.

وقال أحد مسؤولي المركز أن " "سيلا" كان دائمًا حزينًا، وكان يريد العودة إلى إفريقيا. كان يشعر بالحنين إلى وطنه ويبكي كثيرًا"،. فيما أكدت شهادات أخرى رغبته في معانقة شقيقيه الأصغر منه. كان الشاب يكرر باستمرار أنه يريد العودة إلى غينيا، وذلك أيضًا وفقًا للأطباء النفسيين الذين التقوا به، لكن عدم وجود اتفاق بين إيطاليا وبلده الأصلي يعني أن إعادته إلى وطنه كانت شبه مستحيلة، وبالتالي فإن احتجازه المطول يبقى بلا فائدة.

وكان مكتب المدعي العام فتح تحقيقًا في قضية التحريض على الانتحار، لكن قضية "عثمان سيلا" ليست قضية معزولة، فقد انتحر ما لا يقل عن 14 شخصًا داخل هذه المراكز خلال السنوات الخمس الماضية، بينهم امرأة واحدة.

ويوجد في إيطاليا 10 مراكز للترحيل، من بينها قسم للنساء (في بونتي جاليريا) واثنان يخضعان حاليًا لتحقيقات قضائية بسبب الظروف اللاإنسانية داخل أسوارهما ( في فيا كوريلي في ميلانو وآخر في قصر سان جيرفاسيو).

ويُحتجز المهاجرون في هذه المرافق لعدة أسباب، منها عدم امتلاكهم وثائق السفر اللازمة، أو لتحديد هويتهم والخضوع لفحص طبي، أو تمهيدًا لترحيلهم، ولكن ليس بسبب ارتكابهم جريمة ما. وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم ظروف احتجاز المهاجرين تشبه السجن لأسباب جزائية، مع حماية إجرائية أقل بكثير مقارنة بالقليل المتاح في نظام العدالة الجنائية.

وقد وُثقت انتهاكات حقوقية جسيمة في جميع مراكز الترحيل الدائمة الإيطالية على الرغم من القيود المفروضة على دخول منظمات المجتمع المدني. وقد تحدثت شهادات حية من داخل المراكز عن غرف نوم تبلغ مساحتها 20-24 مترًا مربعًا تؤوي ما يقارب سبعة مهاجرين، وأطعمة فاسدة منتهية الصلاحية، ومراحيض وحمامات بدون أبواب، بالإضافة لنقص الرعاية الصحية حتى في الحالات الخطيرة، ومراتب متعفنة بدون ملاءات، وأجهزة تدفئة مكسورة، بالاضافة لانتشار الصراصير، ونقص الأماكن الترفيهية، كما يتم إعطاء الأدوية للمهاجرين بشكل منهجي بهدف إبقائهم مخدرين، ويتعرضون للضرب المبرح على أيدي ضباط الشرطة.

نتيجة لذلك، فقد أصيب عدد كبير من المهاجرين بأمراض عدّة، حيث تنتشر الأمراض بشكل كبير في صفوفهم وسط الاكتظاظ والإهمال الطبي. وإلى جانب العنف الجسدي والمادي، يوجد هناك العديد من أشكال العنف غير المباشر المتأصل في نظام الهجرة الأوروبي الذي يدعم علاقات الهيمنة والاستغلال. على سبيل المثال، في إحدى الحوادث، قال طبيب في المركز الدائم للترحيل في ميلانو لعامل أثناء مرافقته لأحد النزلاء إلى العيادة: "هل تعتقد أن هذه الحيوانات تستحق الفحص الطبي؟ عليهم أن يعودوا إلى الغابة."

وأكدت العديد من المنظمات الحقوقية مدى ارتفاع تكاليف هذه المراكز بالنسبة لدافعي الضرائب وعدم فعاليتها، بصرف النظر عن كونها غير إنسانية، ولكن حكومة ميلوني اقترحت مؤخرًا توسيع مراكز الاحتجاز هذه وبناء مرفق مركزي واحد في كل منطقة من مناطق إيطاليا.

والسبب وراء وجودها، في الواقع، ليس نظام الترحيل بل الرسالة السياسية التي تحملها: تجريم المهاجر فقط بسبب اختياره للهجرة.

إن مراكز إعادة التأهيل هي أماكن غير إنسانية تتميز بالعنف المؤسسي والإقصاء. والرسالة التي ينقلونها هي أن المهاجرين، وخاصة من جنسيات معينة (حيث أن أكثر من نصفهم يأتون من تونس، مصر والمغرب)، غير مرغوب فيهم، وأقل درجة من المواطنين، وبالتالي فإن ما يحدث لهم غير مهم. ففي الأساس، تعد مراكز الترحيل أماكن لتجميع و ترحيل الأشخاص الذين يُعتبرون دخلاء، فقط لافتقارهم إلى تصاريح صالحة للسفر.

تلك الظروف المهينة والمقززة التي يُحتجز فيها المهاجرون، والتي لا تمكنهم حتى من الوصول إلى زر تشغيل أو إطفاء الأضواء، تؤدي عادة إلى أعمال إيذاء النفس، والعنف والفوضى والانتحار في بعض الأحيان للهروب من الواقع.

وقام مجلس النواب الايطالي بثورة قانونية مباشرة بعد انتحار "سيلا"، وتم القبض على 14 رجلاً ونقلهم إلى السجن حيث يواجهون  بموجب مرسوم "بيانتيدوسي" ، حكما بالسجن يصل إلى ستة أعوام.

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان خلال جلسة نظمتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بحالات الاختفاء القسري إن الاتحاد الأوروبي سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي تعتمد بشكل أساسي على تكتيكات إدارة الحدود اللاإنسانية من أجل تقليل عدد المهاجرين وطالبي اللجوء من دول الجنوب، من خلال تجاهل الحقوق الأساسية لهم.

ويتعرض المهاجرون لعدة انتهاكات تصل لتعريض حياتهم للخطر. بدءًا من تباطؤ السلطات عن مسؤولية إنقاذ الأرواح في البحر، كما حدث في المياه الإقليمية اليونانية في 14 حزيران/يونيو 2023 عندما انقلبت السفينة "أدريانا" مما أدى إلى وفاة أكثر من 600 شخص، وصولًا إلى الانتهاكات المنهجية التي تمارسها دول شريكة للاتحاد الأوروبي والاعتقال الإداري في مرافق سرية غير رسمية أو في مراكز الترحيل.