الأراضي الفلسطينية - أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء إخفاق المحكمة الجنائية الدولية في أداء مهامها وتسببها في ضرر جسيم يتعذر تداركه على حقوق الشعب الفلسطيني ولمجمل عملية إقامة العدل على النحو السليم فيما يتعلق بالحالة في فلسطين المنظورة أمامها، لا سيما فيما يخص جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة يوميًّا وعلى مدار خمسة أشهر في بث حي ومباشر.

وأبرز الأورومتوسطي أن جريمة الإبادة الجماعية الحاصلة في غزة على درجة عالية من الخطورة دفعت غالبية المؤسسات الأممية والدولية والخبراء الدوليون للتحذير من مغبة عواقبها، وأكدت على شبهة وقوعها محكمة العدل الدولية؛ المحكمة الأعلى في العالم. 

وطرح المرصد الأورومتوسطي تساؤلات ومخاوف جدية بشأن التزام المدعي العام للمحكمة تحديدًا بمعايير النزاهة والمهنية والحياد والاستقلالية وعدم التمييز وعدم التحيز في عمله في ملف الحالة في فلسطين، وعن تأثير سلوكه في شل عمل المحكمة الجنائية الدولية في إجراء التحقيقات والمحاكمات العادلة والفعّالة والسريعة، وتحقيق العدالة الناجزة للضحايا الفلسطينيين، ومساءلة ومحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، والذين لا يزالون يتصرفون من منطلق الحصانة التاريخية المطلقة من العقاب والمساءلة من أي جهة كانت، وقد فشل المجتمع الدولي برمته على مدار عقود من الزمن وحتى يومنا هذا في أن يثبت لهم العكس. 

وقال الأورومتوسطي إنه بات من الواضح أن ثمة ازدواجية في المعايير في متابعة الحالات المُحالة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وبخاصة عند مقارنة طريقة التعاطي مع الحالة في فلسطين مع الحالة في أوكرانيا.

إذ يوم أمس، أصدرت المحكمة مذكرتي إلقاء قبض بحق ضابطين روسيين بتهمة ارتكاب جريمتي حرب وجريمة ضد الإنسانية في أوكرانيا، وبذلك يرتفع عدد مذكرات إلقاء القبض التي أصدرتها المحكمة في هذا الملف ليصبح أربع مذكرات، بما فيهم واحدة ضد الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، والتي صدرت بعد سنة واحدة فقط من بدء التحقيق في الحالة في أوكرانيا، والذي بدأ أصلًا بعد أقل من شهر من بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

ويتابع الأورومتوسطي باهتمام واستغراب ما يصدر عن المحكمة الجنائية الدولية، حيث إن مذكرتي إلقاء القبض اللتين أصدرتهما المحكمة بالأمس جاءتا نتيجة الاشتباه بتحمل الضابطين الروسيين مسؤولية الهجمات العسكرية الجوية التي نفذتها القوات الروسية تحت قيادتهما، واستهدفت من خلالها عددًا من محطات توليد الطاقة الكهربائية والمحطات الفرعية في مواقع متعددة في أوكرانيا. 

ورأت المحكمة أن هذه الهجمات كانت عبارة عن استهدافات متعمدة ضد أعيان مدنية، وأسفر عنها أضرار جانبية مفرطة للمدنيين والممتلكات المدنية دون مراعاة لقواعد التناسبية والضرورة العسكرية، واعتبرت المحكمة أن هاذين الفعلين يشكلان جريمتي حرب بموجب ميثاق روما الأساسي. 

كما رأت المحكمة أن هذه الضربات الجوية ألحقت معاناة شديدة للأوكرانيين على النحو الوارد في تعريف جريمة "الأفعال غير الإنسانية"، التي تعتبر من جرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي. 

وأشار الأورومتوسطي في هذا السياق إلى أن إسرائيل لم تدمر فقط عددًا من "محطات توليد الكهرباء" في قطاع غزة، بل تجاوز الدمار الواسع النطاق الذي ألحقته هناك منذ بدء الهجوم العسكري نحو ثلثي الأعيان والممتلكات المدنية، بما في ذلك معظم البنية التحتية الكهربائية في القطاع، ودون وجود مبرر أو مراعاة لأي من مبادئ وقواعد القانون الدولي. 

ونبه إلى أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل تجاوزت تدمير الممتلكات والبنى التحتية المدنية، ووصلت إلى حد تدمير حياة سكان قطاع غزة بأكملهم، وإهلاكهم الفعلي بأفعال الإبادة الجماعية، والقتل الجماعي والعمدي، والاستهداف العمدي والعشوائي للمدنيين بصفتهم هذه، بمن في ذلك آلاف الأطفال والنساء، والتجويع لحد المجاعة، والحرمان من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، والنقل والتهجير القسري، وقطع الماء والكهرباء، والحرمان من العلاج والدواء، والحصار غير القانوني الشامل، وعرقلة الإمدادات الغوثية، وتدمير الأعيان الثقافية والتاريخية والدينية، والمستشفيات، التي لم تكن أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والاغتصاب، ونهب الممتلكات، واستخدام الأسلحة المحظورة؛ وكلها جرائم موصوفة ومعاقب عليها بموجب نظام روما الأساسي، باعتبارها تشكل أخطر الجرائم الدولية التي تهدد العالم بأسره، وتلحق أضرارًا جسيمة بالإنسانية جمعاء. 

ويذكّر الأورومتوسطي في هذا السياق أن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت في 26 كانون ثان/ يناير الماضي قرارا أقرت بموجبه بوجود شبهة معقولة حول قيام إسرائيل بانتهاك التزاماتها المترتبة على عاتقها كدولة طرف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها خلال تنفيذها لعملياتها العسكرية التي تشنها ضد القطاع وسكانه الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر/تشرين أول الماضي. 

وقد فرضت المحكمة بموجب هذا القرار على إسرائيل باتخاذ تدابير تحفظية محددة لمنع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وحمايتهم من هذا الخطر. 

ومع ذلك، لم تلتزم إسرائيل البتّة في تنفيذ هذه التدابير التحفظية- فيما عدا ما يخص تقديم تقرير إلى المحكمة بعد مرور شهر من تاريخ القرار- ولا تزال إسرائيل مستمرة في تنفيذ جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة بذات الوتيرة التي سبقت قرار محكمة العدل الدولية.

وشدد الأورومتوسطي على أنه وبشكل عام، تعاملت المحكمة الجنائية الدولية منذ البداية مع الحالة في فلسطين بتباطؤ ومماطلة متكررة وغير مبررة. فبعكس الحالة في أوكرانيا، التي استغرق فتح التحقيق بشأنها حوالي شهر بعد بدء الحرب فيما بينها وبين روسيا، استغرقت المحكمة أكثر من ست سنوات لتعلن في 3 آذار/مارس 2021 عن فتح التحقيق في الحالة في فلسطين، بعدما أعلنت دولة فلسطين في 1 كانون ثان/يناير 2015 عن قبول اختصاص المحكمة في النظر في الجرائم المرتكبة في الأرض الفلسطينية، وتقديم الإحالة للمحكمة للنظر في هذه الجرائم منذ تاريخ 13 حزيران/يونيو .2014

وبعد أن أعلنت المدعية العامة السابقة للمحكمة، "فاتو بنسودا"، في 3 آذار/مارس 2021، عن فتح التحقيق في الحالة في دولة فلسطين، ما لبثت أن انتهت فترة ولايتها بعد هذا القرار بثلاثة أشهر، ليتسلم "كريم خان" سدة الادعاء العام في المحكمة. 

ومنذ ذلك الحين، لم يشهد ملف الحالة في فلسطين أي تطور يُذكر، على الرغم من مضي أكثر من ثلاث سنوات على الإعلان الرسمي بفتح التحقيق في الحالة في فلسطين، وبرغم مضي خمسة أشهر على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وأخطر جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان ضد وفي قطاع غزة على مرأى ومسمع المحكمة ومدعيها العام، والعالم بأكمله.  

فمنذ بداية جريمة الإبادة الجماعية والعدوان المتواصل على قطاع غزة منذ تشرين أول/أكتوبر الماضي، يساور الأورومتوسطي القلق بشأن غياب الاستجابة الفعالة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن ما يجري، وعدم اتخاذها لأي إجراء فعلي لوقف تدهور الحالة في فلسطين ومنع ارتكاب المزيد من الجرائم التي تقع ضمن اختصاصاتها القضائية.

إلى جانب ذلك، فإن الأورومتوسطي يستنكر سلوك المدعي العام للمحكمة وتصريحاته الصادرة سواء في مؤتمره الصحافي الوحيد الذي عقده في القاهرة بتاريخ 29 تشرين أول/ أكتوبر الماضي، أو زيارته لإسرائيل للالتقاء بالعائلات الإسرائيلية، دونما قيامه بالمثل فيما يخص العائلات الفلسطينية من قطاع غزة بأي وسيلة من الوسائل، وعلى الرغم من زيارته لفلسطين في الوقت ذاته ومطالبته من قبل العديد من الجهات الوطنية والدولية للقيام بذلك. 

وجاءت اللغة التي استخدمها المدعي العام خلال المؤتمر وكذلك في بيانه اللاحق لزيارته لإسرائيل وفلسطين، وترديده للادعاءات الإسرائيلية دون تحقق مستغلا منصبه ومنبره، لتكشف عن انحيازه الواضح للرواية الإسرائيلية والجانب الإسرائيلي على حساب الحقيقة، وتحقيق العدالة للضحايا الفلسطينيين، وعلى نحو يقوّض ويشكك في مصداقية التحقيقات التي من المفترض أنه يجريها في الحالة في فلسطين وفقًا لمعايير الحياد والمهنية والاستقلالية والنزاهة وعدم التمييز، المنصوص على إلزامية التقيد فيها خلال كافة مراحل عمل المحكمة في نظام روما الأساسي والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات للمحكمة، ومدونة قواعد السلوك الخاصة بمكتب المدعي العام للمحكمة، تحت طائلة العزل. 

وبناءً على جميع ما سبق، يدعو المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان هيئة رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، وجمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة، ولغايات حماية الفلسطينيين من خطر الهلاك الفعلي، وحماية السلم والأمن الدوليين، وإعادة الاعتبار لمكانة ونزاهة المحكمة الجنائية الدولية، إلى القيام بما يلي:

1-​عقد دورة استثنائية وعلى وجه السرعة للتفتيش والتدقيق والتحقيق في أداء المحكمة الجنائية الدولية تجاه الحالة في فلسطين، واتخاذ كافة التدابير الموضوعية والإدارية والمالية اللازمة لتعزيز عمل المحكمة في هذا الملف، نظرًا لخطورة الجرائم المرتكبة في فلسطين عمومًا،وفي قطاع غزة خصوصًا. 

2-​إجراء كافة التحقيقات اللازمة فيما يخص أداء الدائرة التمهيدية ومكتب المدعي العام للمحكمة في ملف الحالة في فلسطين، والكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء حالة التقاعس والمماطلة المستمرة ودون مبرر في تحريك التحقيق في الحالة في فلسطين، والتأخير المتكرر في الفصل فيها رغم اعتراف المحكمة باختصاصها القضائي بالنظر فيها، ومقبوليتها، وفتح التحقيق رسميًا بشأنها منذ أكثر من ثلاث سنوات.

3-​البدء في التحقيق الفوري والفعال في سلوك المدعي العام للمحكمة ومدى التزامه بمعايير الحياد والمهنية والاستقلالية والنزاهة وعدم التمييز وعدم التحيز في معرض أدائه لمهامه وممارسة سلطاته في ملف الحالة في فلسطين. 

4-​عزل كل من يثبت ارتكابه سلوكًا سيئًا جسيمًا أو إخلاله إخلالًا جسيمًا بواجباته، أو أثبت أنه غير قادر على ممارسة المهام المطلوبة منه لأي سبب من الأسباب، وذلك وفقًا لأحكام المادة (46) من نظام روما الأساسي، بمن في ذلك المدعي العام وأي من قضاة الدائرة التمهيدية.