في تشرين أول/أكتوبر من العام 2019، خرج اللبنانيون بكافَّة أطيافهم إلى الطرقات في مظاهرات غطَّت كافَّة المناطق اللبنانيَّة للتعبير عن غضبهم عن سنوات من "سوء الإدارة والإهمال والفساد ضمن الدولة وأجهزتها." انعكس ذلك سلبًا على الحياة اليوميَّة للمواطنين وعلى جودة حياتهم، إن كان لجهة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعيَّة كالخدمات الصحيَّة التي يتلقونها، والتعليم، والمواصلات والتنقّل، والبيئة النظيفة، والحقوق المتصلة بالعمل، أو ما يتصل بحقوقهم المدنيَّة والسياسيَّة، بما في ذلك الهجمة الممنهجة من قبل بعض الأجهزة الأمنيَّة والأحزاب السياسيَّة التي تسيطر عليها ضد الناشطين والمعارضين الذين يُمارسون حقَّهم في حريَّة الرأي والتعبير والتجمُّع السلمي. أثرت تلك العوامل أيضًا على حريَّة الصحافة والإعلام، وفاقمت ضعف الاتصالات والقدرة على الاتصال بالإنترنت، وزادت سوء الخدمات القضائيَّة، كما عطلت الحياة السياسيَّة وما يتَّصل بالحق في المشاركة في الحياة العامَّة في البلاد، من خلال تعطيل المؤسَّسات الدستوريَّة وتأجيل الانتخابات النيابيَّة والبلديَّة لأكثر من مرَّة.

كل ذلك ساهم في تفاقم الحياة المعيشيَّة للبنانيين وحتَّى المقيمين، فوصل معدَّل البطالة ضمن القوى العاملة التي تتكوَّن في أغلبها من الشباب إلى 29.6% في العام 2022 بحسب إدارة الإحصاء المركزي، في حين أنَّ الفقر المتعدِّد الأبعاد وصل إلى نحو 82%، والفقر المدقع متعدِّد الأبعاد وصل لـ 40% في العام 2021 بحسب وكالة إسكوا. أمَّا أسعار السلَّة الغذائيَّة الرئيسيَّة، فقد شهدت ارتفاعًا بأسعارها وصلت لـ 340%، بحسب برنامج الغذاء العالمي، بالإضافة إلى معدَّلات التضخم التي وصلت حد الـ 221.3% في العام 2023 بحسب إدارة الإحصاء المركزي. تشكِّل هذه التحديات انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في ظل تلكؤ الدولة اللبنانيَّة وأجهزتها عن إيجاد الحلول لهذه الإشكاليَّات التي تطال حياة وحقوق الإنسان المتَّصلة بكل فرد – مواطنًا ومقيمًا– بشكل يومي.

في موازاة كل ذلك، صادق لبنان على اتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمكافحة الفساد في العام 2008 التي تحدِّد في فصلها الثاني التدابير الوقائيَّة التي يجب على الدول الأعضاء اتخاذها للحد من ومنع الفساد ضمن القطاع العام بهدف تعزيز الخدمات العامَّة ومعالجة "ما يطرحه الفساد من مشاكل ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها، مما يقوِّض مؤسَّسات الديمقراطيَّة وقيمها الأخلاقيَّة والعدالة، ويُعرِّض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر" كما جاء في الفقرة الأولى من ديباجيَّة الاتفاقيَّة. فالسعي لتحقيق التنميَّة المستدامة يصبُّ في خانة تعزيز حقوق الإنسان لجهة التمتّع بتعليم وخدمات صحيَّة ذات جودة عالية، وبيئة عمل تحترم حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ما يتصل بالعدالة والسلام والأمن – على سبيل المثال لا الحصر – كما جاء في أهداف الأمم المتَّحدة للتنمية المستدامة (أجندة 2023).

أين لبنان من التدابير الوقائيَّة لمكافحة الفساد؟

منذ مصادقة لبنان على اتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمكافحة الفساد، شرع مجلس النوَّاب اللبناني في ورشة تشريعيَّة لمواءمة القانون الوطني مع أحكام الفصل الثاني من الاتفاقيَّة – التدابير الوقائيَّة – من خلال العمل على سلَّة تشريعيَّة لمكافحة الفساد. ففي العام 2008 و 2009، تقدَّم عدد من النوَّاب بعدد من اقتراحات القوانين المتعلِّقة بمكافحة الفساد بالإضافة إلى تقدّم الحكومة بمشاريع قوانين موازية لدى مجلس النوَّاب لدراستها ضمن اللجان النيابيَّة المعنيَّة؛ كاقتراح قانون ومشروع حول الإثراء غير المشروع، واقتراح قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد واقتراح قانون الحق في الوصول إلى المعلومات.

لم يُفلح مجلس النوَّاب في إقرار هذه القوانين على الرغم من تقديم اقتراحات أخرى ذات صلة، كاقتراح قانون حماية كاشفي الفساد، إلَّا بعد ما يُقارب التسع سنوات في العام 2017.

منذ ذلك الحين أقرَّ مجلس النوَّاب ستة قوانين تعالج بشكل مباشر آفة الفساد في القطاع العام وترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد" المنشئة لهذه الغاية، والتي يدخل ضمن صلاحيَّاتها السَّهر على وضمان تطبيق الأطر القانونيَّة لمكافحة الفساد التالية:

  • قانون رقم 175/2020؛ قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد؛ والاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد التي أقرَّها مجلس الوزراء في العام 2020؛
  • قانون رقم 28/2017؛ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات وقانون تعديله رقم 233/2021، مرسومه التطبيقي رقم 6940/2020؛ خطَّة العمل الوطنيَّة لتنفيذ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات التي أقرَّها مجلس الوزراء في العام 2020؛
  • قانون رقم 83/2018، قانون حماية كاشفي الفساد وقانون تعديله رقم 182/2018؛
  • قانون رقم 84/2018، قانون دعم الشفافيَّة في قطاع البترول، مرسوم رقم 9471/2022؛ نظام السجل البترولي وقواعد الإجراءات رهن الحقوق البتروليَّة والتنازل عنها؛
  • قانون رقم 189/2020، قانون التصريح عن الذمَّة الماليَّة والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع؛
  • قانون رقم 214/2021، قانون استعادة الأموال المتأتيَّة عن جرائم الفساد.

فما هي حال تطبيق هذه الأطر القانونيَّة لمكافحة الفساد؟ وهل ساهمت فعلاً في الحد من ومنع الفساد في القطاع العام؟ وكيف يُمكن للهيئة تعزيز حقوق الإنسان في إطار الأدوات التشريعيَّة المسؤولة عن تطبيقها وتلك المسؤولة عن السهر على تطبيقها؟

الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد

أقر مجلس النوَّاب القانون رقم 175/2020 وهو قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد. ينص القانون على أنَّهُ تنشأ الهيئة بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء خلال أربعة أشهر من تاريخ نشر القانون في الجريدة الرسميَّة (14 أيَّار/مايو 2020) ضمن آليَّة محدَّدة، إلَّا أنَّهُ لم تشكَّل الهيئة إلَّا بعد ما يُقارب السنة وثمانية أشهر (28 كانون ثانٍ/يناير 2022). كما أنَّهُ لم تقر الهيئة نظامها الداخلي بعد ثلاثة أشهر من تعيين أعضائها لأول مرَّة بحسب ما ينص عليه قانون إنشائها، فبعد أن كان من المفترض إقرار النظام الداخلي في آب/أغسطس من العام 2020، لم يتم إقراره حتَّى كانون ثانٍ/يناير من العام 2024؛ وذلك نظرًا للأخذ والرد من قبل مجلس شورى الدولة الذي لابُدَّ من موافقته على مسودَّة النظام الداخلي قبل إقراره والذي أحال المسودَّة على كل من مجلس الخدمة المدنيَّة الذي استغرق في وقته لإبداء رأيه ومن ثمَّ إحالة المسودَّة مجددًا على وزارة الماليَّة التي استغرقت في وقتها أيضًا. كل ذلك قد يدل إما على وجود نيَّة مبيَّتة في عرقلة عمل الهيئة أو أقلَّه عدم مبالاة في أهميَّة عملها على صعيد مكافحة الفساد وبالتالي تقويض تعزيز حقوق الإنسان بشكل عام في لبنان.

وينقسم قانون الهيئة إلى قسمين؛ القسم الأول يُحدِّد جرائم الفساد في القطاع العام وعقوباته، أما القسم الثاني فهو يُحدِّد صلاحيَّات الهيئة في التحقيقات والاستقصاءات والملاحقات القضائيَّة التي يُمكن لها أن تجريها في إطار النظر في قضيَّة فساد معيَّنة في القطاع العام.

يُمكن للهيئة إذا ما استخدمت هذه الصلاحيَّات بشكل فعَّال أن تُساهم في تعزيز حقوق الإنسان في لبنان في مختلف القطاعات العامَّة الحيويَّة، كأن تُحقِّق في شبهات الفساد ضمن قطاع الصحَّة وكشفه وملاحقة المرتكبين واستعادة الأموال التي تمَّ اختلاسها لصالح الدولة، وبذلك تكون الهيئة قد ساهمت في تعزيز الموازنة التي يُمكن أن تُخصَّص لقطاع الصحَّة كما أبعدت من يتربَّص بالأموال العامَّة عن القطاع العام لضمان عدم اختلاس هذه الأموال.

بالإضافة إلى ذلك، تتمتَّع الهيئة بصلاحيَّات واسعة في ما يخص تطبيق القوانين المذكورة أعلاه، نعرض لها تحت كل قانون على حدة. كما تضطلع الهيئة بدور رئيسيّ في تنفيذ الاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد والتي بدورها تساهم في تعزيز موارد الدولة التي يُمكن تخصيصها لتطوير القطاعات الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان كقطاع التعليم.

الإطار القانوني للحق في الوصول إلى المعلومات

يُشكِّل كل من القانون رقم 28/2017؛ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات وقانون تعديله رقم 233/2021، مرسومه التطبيقي رقم 6940/2020 وخطَّة العمل الوطنيَّة لتنفيذ قانون الحق في الوصول إلى المعلومات التي أقرَّها مجلس الوزراء في العام 2020 الإطار القانوني للحق في الوصول إلى المعلومات في لبنان. وعلى الرغم من عدم ارتباط الحق في الوصول إلى المعلومات بمكافحة الفساد لناحيَّة هدفه، كونه يُنظِّم حقّاً متفرِّع عن الحق في حريَّة الرأي والتعبير، إلَّا أنَّهُ إحدى الأدوات الرئيسيَّة لمكافحة الفساد. إذ لا يُمكن تصوّر تحقيق المساءلة والمحاسبة في القطاعات العامَّة الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان دون الوصول والإطلاع على المعلومات التي بحوزة الإدارة العامَّة. كما أنَّهُ مجرَّد معرفة الإدارة بأنَّ المعلومات التي بحوزتها سوف يتم نشرها أو يُمكن الوصول أو الإطلاع عليها من قبل الجمهور يُشكِّلُ رادعاً لها لعدم ارتكاب أي أفعال تضر بالمصلحة العامَّة وبالتالي حقوق الإنسان.

أمَّا دور الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد في هذا الصدد فهو يتمحور بكونها الجهة الصالحة بالنظر بالطعون المقدَّمة بقرارات الإدارة التي ترفض إتاحة المعلومات، فإمّا أن توافقها وتمنع الشخص المراجع من الوصول إلى المعلومات، أو تخالفها وتصدر قراراً ملزماً للإدارة بإتاحة المعلومات هذا من جهة. ومن جهة أخرى تتمتَّع الهيئة بحسب قانون الحق في الوصول إلى المعلومات بصلاحيَّة تعزيز ثقافة الإنفتاح ضمن القطاع العام لدفع جميع الجهات العامَّة الخاضعة للقانون بتطبيق أحكامه وهو ما سوف يُساهم في تعزيز الشفافيَّة وبالتالي الوصول والإطلاع على المعلومات التي بحوزة الإدارة والمتصلة بالقطاعات الحيويَّة ذات الصلة بحقوق الإنسان.

وتبقى إشكاليَّة رئيسيَّة متعلِّقة بالاستثناءات الواردة على الحق في الوصول إلى المعلومات ضمن النظام القانوني اللبناني.  فلجهة قانون الحق في الوصول إلى المعلومات تقرّ المادَّة ٥ منه استثناءً مطلقاً – أي أنَّهُ لا يُمكن الوصول إلى أو الاطلاع على معلومات معيَّنة مهما كانت الظروف ولو كانت المصلحة العامَّة تقتضي نشرها – على أنواع محدَّدة من المعلومات كتلك المتصلة بأسرار الأمن القومي والعلاقات الخارجيَّة والسر المهني أو التجاري، إلخ. في حين أنَّ المقرِّر الخاص بالحق في حريَّة الرأي والتعبير التابع للأمم المتَّحدة – "عابد حسين" في حينه – كان قد أوضح في تقرير له في العام 2000 أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي أنّ الأصل دائماً يجب أن يكون لإتاحة جميع المعلومات التي بحوزة الإدارة مهما كانت المعلومات، وأنَّهُ يُمكن استثناء نوع محدَّد من المعلومات على أن يكون الاستثناء نسبيّاً من خلال تطبيق ما يُعرف باختبار المصلحة العامَّة الذي يستوجب توافر ثلاثة شروط بأي معلومة تريد الإدارة حجبها، وهي:

  1. أن تكون المعلومات التي تريد الإدارة حجبها ذات صلة بهدف مشروع مبيَّن في القانون؛
  2. التثبُّت من أنَّ الكشف عن المعلومات التي تريد الإدارة حجبها تُهدِّد بإلحاق ضرر جسيم بالهدف المبيَّن في القانون؛
  3. أن يكون الضرر الجسيم أكبر من المصلحة العامَّة المترتِّبة على إتاحة المعلومات.

إنَّ النص الحالي للمادَّة (5) لا يسمح بتطبيق اختبار المصلحة العامَّة كونه يقرّ استثناءً مطلقاً بشكل يُخالف التزامات لبنان الدوليَّة كون هذا الاختبار مستخلص من المادَّة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة الذي صادق عليه لبنان في العام 1972. بالإضافة إلى قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، فإنَّ كل من قانون النظام الداخلي لمجلس النوَّاب (المواد 34 و51) ومرسوم تنظيم أعمال مجلس الوزراء (المواد 4 – الفقرة 3 –، 9 و17) يقرّوا استثناءً مطلقاً على مداولات هذه الجلسات دون تحديد أي شروط لهذه السريَّة وهو ما يخالف أيضاً التزام لبنان بالمادَّة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة.

إنَّ أهميَّة اعتبار إقرار استثناءً نسبيًّا وليس مطلقًا على الحق في الوصول إلى المعلومات تكمن في أنَّهُ يُمكن للإدارة مثلاً أن تحجب معلومات محدَّدة كعقد إنفاق ضمن قطاع معيَّن كقطاع التعليم كون هذا العقد يخفي في طيَّاته هدراً للمال العام وبالتالي يُقوِّض الحق في التعليم عبر القول أنَّ العقد مثلاً يحتوي على سرَّاً تجاريَّاً أو مهنيَّاً، فلو كان الاستثناء نسبيّاً كان يُمكن للهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد أن تنظر في مدى مواءمة حجب الإدارة للعقد من عدمه، وفي حال كانت المصلحة العامَّة أكبر – وهي في هذه الحالة تعزيز الحق في التعليم – تصدر الهيئة قراراً ملزماً للإدارة بإتاحة العقد.

الإطار القانوني لحماية كاشفي الفساد

يُشكِّل كل من القانون رقم 83/2019، قانون حماية كاشفي الفساد وقانون تعديله رقم 182/2018 الإطار القانوني لحماية كاشفي الفساد حاليًّا. ويُحدِّد هذا القانون الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد والنيابة العامَّة كالجهات المخوَّلة في استقبال كشوفات الفساد والتحقيق فيها وتأمين الحماية لهم سواء الماديَّة (كالحماية من التعرّض للإيذاء الجسدي) أو المعنويَّة (كالطرد من الوظيفة العامَّة أو تخفيض الرتبة أو الحرمان من الترقية)، بالإضافة إلى ذلك فيُحدِّد القانون حوافز ماليَّة تُمنح لكاشف الفساد في حال أفضى كشفه إلى استرداد أو حفظ أموال عامَّة.

تكمن الإشكاليَّة في هذا الإطار القانوني في أنَّ الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد لم يُفعَّل عملها بعد وأنَّ النيابة العامّة غير فعَّالة في هذا المجال، إذ منذ إقرار القانون ومن ثمَّ قانون تعديله، لم يُسجل تقديم أي كشف لعمليَّة فساد. كما أنَّ القانون بحاجة لمرسوم تطبيقي يُقرّ في مجلس الوزراء كي يتم تفعيله بشكل شامل.

إنَّ عدم تفعيل عمل الهيئة في هذا الإطار يؤثر بشكل سلبي على حقوق الإنسان في القطاعات الحيويَّة بشكل عام، إذ أنَّهُ حتى وإن وُجد كاشفاً للفساد ليس هنالك من آليَّة واضحة حول الإجراءات التي عليه اتباعها لتقديم كشفه وتأمين الحماية له، وذلك في ظل شبه انعدام للثقة بين الجمهور والهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد كونها لم تُجرَّب بعد وانعدام كامل للثقة بين الجمهور والنيابات العامَّة نظراً للممارسات القمعيَّة التي تمارسها في ما يتعلَّق بالحقوق والحريَّات والزبائنيَّة والمحسوبيَّة، فكيف الحال إذا ما تعلَّق كشف الفساد بأحد المسؤولين أو الموظفين؟

إنَّ تفعيل عمل الهيئة هنا ضروري لتطمين الذين يريدون تقديم كشوفات فساد في أنَّهُ سوف تتم حمياتهم ماديّاً ومعنويّاً بالإضافة إلى القدرة على الحصول على حوافز ماليَّة تحدَّد قيمتها بحسب الأموال المستردة أو التي مُنع هدرها.

دعم الشفافيَّة في قطاع البترول

يُنظِّم القانون رقم 84/2018 كيفيَّة دعم وتعزيز الشفافيَّة لقطاع استخراج النفط والغاز وكل الأنشطة البتروليَّة في لبنان، إن كان لجهة نشر المعلومات حول المتعاقدين مع الدولة ضمن القطاع العام أو المتعاقدين من الباطن، ومعلومات المالك الحقيقي (صاحب الحق الاقتصادي) لهؤلاء المتعاقدين بغض النظر عن المالك القانوني كما ومعلومات حول الأشخاص المعرَّضين سياسيّاً وذلك من خلال ما يُعرف ضمن القانون بـ "السجل البترولي" المنظَّم عبر المرسوم رقم 9471/2922.

وتتولَّى الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد عدَّة مهام مرتبطة بالقانون رقم 82/2018 من السهر على حُسن تطبيقه إلى مراقبة وملاءمة صدقيَّة ونوعيَّة المعلومات الواردة في السجل البترولي ومدى التزام الجهات المعنيَّة بالتصريح عن المعلومات بذلك، استلام الشكاوى المرتبطة بتطبيق أحكام هذا القانون والبت فيها، إبداء المشورة للسلطات المختصَّة حول المسائل المتعلِّقة بتطبيق هذا القانون، وضع تقرير سنوي حول كيفيَّة تطبيق هذا القانون والتحديات والفرص التي تواجه ذلك، بالإضافة إلى التقارير الخاصَّة عند الاقتضاء، وتثقيف الجمهور حول أهميَّة الحق في الوصول إلى المعلومات في إطار تطبيق هذا القانون.

إنَّ الهدف من هذه المهام المناطة بالهيئة هو تحقيق أقصى قدر ممكن من الشفافيَّة ضمن قطاع البترول في لبنان، وهو ما يُساهم في المحافظة على أي موارد بتروليَّة يتم اكتشافها واستخراجها مستقبليّاً والمداخيل التي يتم تحقيقها عند تنفيذ عمليَّات الاستخراج، والتي إن وُجدت سوف تتم إحالتها إلى "الصندوق السيادي" الذي تمَّ إقرار قانونه في مجلس النوَّاب في العام 2023 وسوف ينشأ مستقبلاً لإدارة الموارد الناتجة عن الغاز والنفط المستخرج من الإقليم البري والبحري اللبناني. إنَّ هذه المهام تُشكِّل نقطة بداية لمراقبة المدخول الناتج عن الموارد البتروليَّة وكيفيَّة توظيف هذا المدخول ضمن القطاعات الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان، من هنا تأتي أهميَّة تفعيل عمل الهيئة في هذا المجال لضمان أكبر قدر من الرقابة على هذه المداخيل وذلك في ظل الفساد المستشري والهدر في الإدارة العامَّة.

الإثراء غير المشروع

يُعطي القانون رقم 189/2020، قانون التصريح عن الذمَّة الماليَّة والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع، صلاحيَّات واسعة للهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد في إدارة ملف التصاريح التي يُقدِّمها الموظفون العامّون المكلفون (المنتخبون والمعيَّنون)، كما وفتح التصاريح والتأكد من صحة البيانات الواردة فيها والتحقيق فيها وملاحقة الذي يتكوَّن لدى الهيئة قناعة بأنَّهُ قد حقَّق إثراءً غير مشروع أمام الجهات المختصَّة.

تكمن أهميَّة هذه الصلاحيَّات التي أقرَّها المشرِّع لصالح الهيئة في أنَّها تساعد أولاً على تشكيل رادع أمام أي موظف لا يقوم بتقديم تصريحه، أو يقدِّم تصريحاً كاذباً عن ذمَّته الماليَّة كما تشكِّل رادعاً أيضاً لأي موظف قد تسوِّل له نفسه أن يُحقِّق إثراءً غير مشروع على حساب المال العام، خاصَّة في ما يتعلَّق بالقطاعات الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإنَّ صلاحيَّة الاستقصاء والتحقيق التي تتمتَّع بها الهيئة كما وصلاحيَّة ملاحقة الموظفين الذين يرتكبون جرم الإثراء غير المشروع تشكِّل آليَّة عمليَّة لمعاقبة المتربصين بالإدارة العامَّة كما واسترداد الأموال التي يتم اختلاسها من قبل الموظفين لصالح الدولة؛ وهو ما يُساعد بدوره على تعزيز قدرة الدولة على تطوير القطاعات الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان كالتعليم والصحة على سبيل المثال لا الحصر.

إلَّا أنَّهُ، حتَّى الآن، وكونه لم يتم إقرار النظام الداخلي للهيئة إلَّا مؤخراً لم تفعَّل صلاحيَّات الهيئة في هذا الإطار إلَّا تلك المتصلة باستلام التصاريح من الموظفين دون التدقيق والتحقيق في المعلومات الواردة في هذه التصاريح ولم يُسجَّل أي ملاحقة بعد؛ ذلك في ظل الفساد المستشري في الإدارة العامَّة في لبنان وهو ما يُبيِّن ضرورة تفعيل عمل الهيئة في هذا الإطار في أسرع وقت ممكن وتمكينها من الموارد الماليَّة والبشريَّة اللازمة لممارسة صلاحيَّاتها على أكمل وجه.

استعادة الأموال المتأتيَّة عن جرائم الفساد

أقرَّ مجلس النوَّاب اللبناني القانون رقم 214/2021، قانون استعادة الأموال المتأتيَّة عن جرائم الفساد، وهو القانون الذي يُحدِّد الآليَّات الإجرائيَّة لاسترداد الأموال الماديَّة (النقديَّة) والعينيَّة التي تنشأ لدى أصحابها نتيجة جرائم فساد في القطاع العام. كما يُنشأ القانون كل من "دائرة استعادة الأموال المتأتيَّة عن جرائم الفساد" و"الصندوق الوطني لإدارة واستثمار الأموال قيد الاستعادة أو المستعادة" لدى الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد؛ على الرغم من ذلك وللأسباب التي ذكرناها سابقاً المتعلِّقة بعدم تفعيل عمل الهيئة، فإنَّ كل من الدائرة والصندوق مازالا غير مفعَّلين.

تكمن أهميَّة هذا القانون الذي يُنشأ الصندوق ويرتبط بالهيئة لناحية موازنته في قدرته على توجيه الأموال الناتجة عن جرائم الفساد ويستردها للاستثمار ضمن القطاعات الحيويَّة المتصلة بحقوق الإنسان لتطويرها وهو ما سوف يُساهم في تعزيز حقوق الإنسان على الصعيد الوطني والوفاء بالتزامات لبنان المندرجة تحت أهداف الأمم المتَّحدة للتنمية المستدامة.

الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد؛ أداة لتعزيز حقوق الإنسان في لبنان؟

لاشكَّ بأنَّ السلة التشريعيَّة التي عرضنا لها تجعل من الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد أداة رئيسيَّة لتعزيز حقوق الإنسان بشكل حكمي، لاسيَّما الحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة. إلَّا أنَّهُ ونظراً لعدم تفعيل عمل الهيئة بشكل كامل مازالت هذه الأطر التشريعيَّة غير كاملة التطبيق وبالتالي لا يمكن الجزم بما إذا كانت الهيئة سوف تحد وتمنع الفساد بشكل فعلي أم لا. من هنا، ولضمان عمل الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد كأداة لتعزيز حقوق الإنسان في لبنان – إضافة إلى مهامها الأخرى – من الضروري العمل على:

  1. تفعيل عمل الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد وقوانين مكافحة الفساد الستة بشكل تام وفي أسرع وقت ممكن ضمن إطار تنفيذ الاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد.
  2. تعديل المادَّة (5) من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، والمواد 34 51 من قانون النظام الداخلي لمجلس النوَّاب، والمواد 4 – الفقرة 3 –، 9 و17 من مرسوم تنظيم أعمال مجلس الوزراء لإلغاء الاستثناء المطلق على الحق في الوصول إلى المعلومات وإقرار الاستثناء النسبي الذي يلزم الإدارة بتطبيق اختبار المصلحة العامَّة عند طلب معلومات تدخل ضمن دائرة الاستثناء.
  3. إقرار المرسوم التطبيقي الخاص بقانون حماية كاشفي الفساد.
  4. تمكين الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد من الموارد الماليَّة والبشريَّة اللازمة لتطبيق إجراءات العناية الواجبة والعناية الواجبة المشدَّدة في ما يخص صلاحيَّاتها المنصوص عنها في قانون دعم الشفافيَّة في قطاع البترول.
  5. تمكين الهيئة الوطنيَّة لمكافحة الفساد من الموارد الماليَّة والبشريَّة اللازمة لممارسات صلاحيَّاتها المنصوص عنها في قانون التصريح عن الذمَّة الماليَّة والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع.
  6. العمل على إنشاء "الصندوق الوطني لإدارة واستثمار الأموال قيد الاستعادة أو المستعادة"، كما وعمل أوَّل مجلس إدارة للصندوق على توجيه جزء من الأموال المستعادة لتطوير القطاعات الحيويَّة المتَّصلة بحقوق الإنسان.
  7. تمكين "دائرة استعادة الأموال المتأتيَّة عن جرائم الفساد" من الموارد البشريَّة اللازمة لتنفيذ موجبات العناية الواجبة والعناية الواجبة المشدَّدة في إطار ممارستها لمهامها المنصوص عنها في قانون استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد.