جنيف- أدان نحو مائة أكاديمي أوروبي مرموق جريمة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي، وتعمد تصفيتهم جسديًا وثقافيًا، بما في ذلك الاستهداف والتدمير المنهجي للنظام التعليمي في القطاع.

وأعرب الأكاديميون في عريضة أطلقها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بعنوان "إبادة التعليم في غزة: إسرائيل تمارس محوًا منهجيًا للنظام التعليمي برمته" عن قلقهمالبالغ إزاء استهداف الجيش الإسرائيلي المستمر للأكاديميين والمؤسسات التعليمية ومواقع التراث الثقافي في قطاع غزة.

وأبرز الأكاديميون أن التعليم والتعلم هما نسيج الحياة البشرية المنظمة في جميع أنحاء العالم، لكن في مجتمع محتل -كحال المجتمع الفلسطيني- يكون دور التعليم وقوته منقذين للحياة، كونه يوفر أداة فعالة للأمل والحرية ضد سياسات القمع والفصل العنصري والإفقار، مشيرين إلى أن التعليم يغذي ثقافة الشعب ويحرره، وهو أمر أساسي لتحقيق الرخاء الفردي والجماعي.

وأشاروا إلى أن الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على غزة أدت إلى تعطيل العملية التعليمية بشكل كامل بجميع أبعادها، الأمر الذي كان له آثار خطيرة على المدى الطويل، سواء عبر استهداف الشخصيات الأكاديمية والعلمية والمثقفة بغارات جوية محددة على منازلهم دون إنذار مسبق، وقتل مئات المعلمين وآلاف الطلاب، أو تدمير وإلحاق أضرار بما يقدر بنحو 70% من مجمل الجامعات والكليات في القطاع.

ونبه الأكاديميون إلى تعرض ست جامعات في قطاع غزة (الجامعة الإسلامية، جامعة الإسراء، جامعة الرباط، جامعة الأزهر، جامعةالأقصى، جامعة القدس المفتوحة) للتدمير الكامل أو الجزئي جراء الهجمات العسكرية الإسرائيلية.

وذكر الأكاديميون أنه في 11 تشرين أول/أكتوبر الماضي، دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية مباني "الجامعة الإسلامية" في مدينة غزة بالكامل، علمًا أنها واحدة من أقدم مؤسسات التعليم العالي في القطاع المحاصر، وذلك على الرغم من أن القانون الإنساني الدولي يحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين، ويطالب بالتمييز دائمًا بين الأهداف المدنية والعسكرية وبتوفير حماية خاصة للمؤسسات التعليمية والممتلكات الثقافية.

إلى جانب ذلك، دمر الجيش الإسرائيلي مباني جامعة "الإسراء" ومكتباتها ومختبراتها بشكل كامل في 17 كانون ثانٍ/يناير، بعد أسابيع من تحويل الجامعة إلى ثكنة عسكرية ومن ثم إلى مركز اعتقال مؤقت. وقد دمر في العملية العسكرية ذاتها المتحف الوطني الواقع في الجامعة، والذي كان يضم أكثر من 3000 قطعة أثرية نادرة، تم الاستيلاء عليها من قبل القوات الإسرائيلية بحسب بيان رسمي لإدارة الجامعة.

وقال الأكاديميون إنه من المتوقع أن يكلف تدمير 70% من الكليات والجامعات في غزة قطاع التعليم المحلي نحو 720 مليون دولار وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد قُتل ثلاثة رؤساء جامعات وأكثر من 95 عميد جامعة وأستاذ في الهجمات العسكرية الإسرائيلية، بينما اضطر 88 ألف طالب إلى الانقطاع عن تعليمهم الجامعي، ولم يتمكن 555 طالبًا حصلوا على منح دولية من السفر إلى الخارج.

علاوة على ذلك، ووفقًا لوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، قتل أكثر من 4327 طالبًا وجرح 7819 آخرون، في حين قتل 231 معلمًا وإدارًيا وأصيب 756 بفعل الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة.

وأكد الأكاديميون أن الهجمات العسكرية الإسرائيلية قد ترقى إلى مستوى القتل المعرفي - أي قتل وإسكات وإبادة نظام المعرفة الفلسطيني– وهو من شأنه أن يؤثر على مستقبل الشباب وأجيال كاملة من الأطفال الفلسطينيين في المستقبل، مشددين على أن الاستهداف الممنهج من القوات الإسرائيلية للأعيان المدنية، ولا سيما تلك التي تعتبر آثارًا تاريخية أو ثقافية تحميها قوانين خاصة، لا يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الإنساني الدولي وجريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فحسب، بل يندرج أيضًا في إطار جريمة الإبادة الجماعية.

ودعا الأكاديميون الموقعون على عريضة الأورومتوسطي مؤسسات التعليم العالي والعلماء والأكاديميين في جميع أنحاء العالم إلى رفع أصواتهم بشكل لا لبس فيه ضد قتل إسرائيل للأكاديميين الفلسطينيين والتدمير المتعمد وواسع النطاق للممتلكات الثقافية والتاريخية الفلسطينية، بما في ذلك الجامعات والمدارس والمكتبات والأرشيف في قطاع غزة.

وحث الأكاديميون على تسليط الضوء على هذا المظهر الخاص لجريمة الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل بهدف تدمير الفلسطينيين جسديًا وثقافيًا كمجموعة، وجعل قطاع غزة منطقة غير صالحة للسكن لإجبارهم على التهجير القسري، بما في ذلك عبر تنظيم ندوات ومؤتمرات وتناول الأمر إعلاميًّا.

كما دعوا إلى مقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية المتواطئة، خاصة تلك التي بنيت على الأراضي الفلسطينية المحتلة وداخل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، كونها تطبع سياسات الفصل العنصري تجاه الفلسطينيين والتطهير العرقي التدريجي واحتلال الأراضي الفلسطينية.

في السياق ذاته، وقع أكثر من 180 أكاديميًا بريطانيًا على عريضة منفصلة تدين تأثير الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على المؤسسات التعليمية في قطاع غزة واستهداف الطلاب والباحثين والأساتذة.

وأكد هؤلاء أن هذه الهجمات العسكرية الإسرائيلية باستهداف المؤسسات التعليمية في قطاع غزة تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الإنساني الدولي، معربين عن التضامن مع سكان غزة ومجتمع الطلاب والباحثين في ظل استهداف حقوقهم الأساسية في البقاء.