الأراضي الفلسطينية- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن إسرائيل تشن حملة استباحة مروعة لدماء المدنيين الفلسطينيين في مدينة غزة، وتحرق منازلهم وممتلكاتهم، في تصعيد خطير لجريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها ضد سكان القطاع منذ السابع من تشرين أول/أكتوبر الماضي.

ووثق المرصد الأورومتوسطي إفادات صادمة عن سلسلة جرائم ارتكبتها القوات الإسرائيلية في مدينة غزة بشكل منهجي خلال الـ24 ساعة الأخيرة، تشمل عمليات قتل عمد وإعدام خارج نطاق القانون والقضاء، وقطع الاتصالات، وقصف مكثف استهدف المناطق والمنازل المحيطة بمجمع الشفاء الطبي، والذي تشن فيه عملية عسكرية شاملة لليوم الخامس على التوالي، ويعتبر مأوى لآلاف العائلات من النازحين الفلسطينيين. 

   الجيش الإسرائيلي اعتقل نحو 400 شخصًا من الفلسطينيين، بمن في ذلك نازحون وطواقم طبية وصحافيون، وأجبرهم على التعري الكامل وعرضهم للتعذيب خلال التحقيق الميداني   

وبحسب الإفادات، شملت الاعتداءات الإسرائيلية كذلك تعرية مدنيين واستخدامهم كدروع بشرية، واقتحام للمنازل السكنية، وشن حملات اعتقال من داخلها، وتنكيل بالسكان، بمن في ذلك النساء والأطفال، وإجبارهم على النزوح قسرًا دون رجال العائلة إلى وسط وجنوب القطاع، ومن ثم القيام بحرق منازلهم. 

وقالت "رولا سعد" في إفادة لها: "رأينا الموت بأعيننا. اقتحموا العمارة السكنية التي يقطن بها أهلي، وفجأة وجدنا 50 جنديًّا مسلحًا في منتصف الصالة. أمروا الرجال بخلع ملابسهم والنساء باللحاق بهم. أخذونا إلى الطابق الأول، ووضعوا الرجال في غرفة بجانبنا، قبل أن يأخذوهم إلى مستشفى الشفاء. أما نحن النساء، فأمرونا بالنزول والتوجه إلى المناطق الجنوبية من القطاع"

وأفادت شاهدة أخرى (طلبت عدم الكشف عن اسمها) أن الجيش الإسرائيلي اقتحم منزلها وقت الإفطار (وجبة كسر الصيام)، وفتشوه، بينما فصلوا النساء عن الرجال وطلبوا من النساء التوجه وحدهن مع أطفالهن إلى المناطق الجنوبية من القطاع، قبل أن يشعلوا النار في المنزل ويحرقوه بالكامل.

ووثق المرصد الأورومتوسطي إعدام القوات الإسرائيلية المسن "فريج وصفي الحلاق" الذي كان يعاني عدة أمراض بينها الزهايمر، خلال تواجده في ساحة مجمع الشفاء الطبي بعد إطلاق النار عليه وتركه عمدًا ينزف لعدة ساعات دون تقديم أي خدمات إسعافية لإنقاذ حياته. وأفاد أفراد من عائلة "السيد" التي تقطن في محيط مجمع الشفاء، بأن أكثر من 50 جنديًا إسرائيليًا اقتحموا يوم الأربعاء عمارتهم السكنية وقت موعد الإفطار، وعمدوا إلى إطلاق النار بشكل عشوائي وتكسير الأبواب عليهم، واعتقلوا جميع الرجال قبل أن يطردوا النساء والأطفال بإجبارهم على النزوح إلى جنوبي قطاع غزة دون رجال العائلة، قبل أن يقدموا على حرق العمارة بالكامل.

وتلقى المرصد الأورومتوسطي عدة مناشدات بشأن عمليات تنكيل وتعذيب شديد يتعرض لها مرضى وجرحى كانوا يرقدون للعلاج داخل مجمع الشفاء الطبي، بما في ذلك محاصرتهم وإبقائهم دون علاج أو طعام، وجرهم على الأرض وإبقائهم مستلقين أمام الدبابات، من دون أن يتضح مصيرهم بعد.

في هذه الأثناء، أجبر الجيش الإسرائيلي كذلك مرضى وجرحى كانوا يتواجدون داخل مجمع الشفاء على النزوح دون مراعاة لوضعهم الصحي، متوجهين إلى أقرب عيادة صحية أو مستشفى في ظلّ اقتحامه المجمع واستمراره في اعتقال الطواقم الطبية والتحقيق معهم.

وحول الجيش الإسرائيلي مجمع الشفاء إلى ثكنة عسكرية، والمنطقة المحيطة والشوارع المؤدية إليه إلى منطقة عسكرية وساحة حرب في ظل قصف جوي ومدفعي وإطلاق نار من المسيرات على مدار الساعة.

ووثق المرصد الأورومتوسطي خلال العملية العسكرية المستمرة في مجمع الشفاء عشرات عمليات القتل والإعدام غير القانونية، واعتقالات تعسفية بطريقة مذلة وحاطة بالكرامة الإنسانية، وسط إفادات بتفجير عدة مبانٍ في المجمع وتهديد النازحين عبر مكبرات الصوت بالقتل حال عدم إخلائه من دون توفير ممرات آمنة لهم، ودون مراعاة للحالات الصعبة وكبار السن ممن يهدد الموت مصيرهم.

وفي ذات الوقت، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر تهجير جديدة لسكان حي الرمال، وطالب جميع المتواجدين والنازحين في حي الرمال وفي مستشفى الشفاء ومحيطه إخلاء المنطقة بشكل فوري غربًا، ومن ثم عبر شارع الرشيد (البحر) جنوبي غربي المدينة، إلى المنطقة الإنسانية في المواصي. 

وأفاد الأورومتوسطي أن الجيش الإسرائيلي اعتقل نحو 400 شخصًا من الفلسطينيين، بمن في ذلك نازحون وطواقم طبية وصحافيون، وأجبرهم على التعري الكامل وعرضهم للتعذيب خلال التحقيق الميداني، قبل أن يُلبسهم لاحقًا ملابس بيضاء رقيقة وينقل أكثر من نصفهم تحت التهديد وبطرق حاطة بالكرامة في شاحنات وآليات عسكرية باتجاه مراكز اعتقال إسرائيلية.

وجدد المرصد الأورومتوسطي تحذيراته من أن الجيش الإسرائيلي حول مجمع الشفاء إلى مقتلة علنية لليوم الخامس على التوالي وسط عمليات إعدام وقتل عمدية غير قانونية، وتعريض حياة المرضى والجرحى بداخله للموت الوشيك عمدًا، سواء بمنع أي رعاية طبية وأدوية عنهم، أو بتجويعهم وتعطيشهم.

ويشدد الأورومتوسطي على أن استهداف ما تبقى عاملًا من المنظومة الصحية في قطاع غزة، وتعريض حياة آلاف المدنيين من المرضى والجرحى وعائلات النازحين والطواقم الطبية والصحافيين لخطر الاستهداف المباشر، ونزع الصفة المدنية عنهم، وتشتيت العائلات عن بعضها البعض، يعد مؤشرًا خطيرًا على استمرار إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وتعميق آثارها الكارثية.

ويحذر الأورومتوسطي من مغبة استمرار إسرائيل في محاولتها لإفراغ مدينة غزة والشمال من ساكنيها، وإجبارهم على النزوح قسرًا نحو الجنوب، من خلال أوامر التهجير القسرية وتحت وطأة العمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين، والتجويع، والحصار، والحرمان من مقومات الحياة الأساسية، بما في ذلك الحرمان من الرعاية الطبية، وذلك كله يأتي في إطار جريمة التهجير القسري التي ترتكبها إسرائيل على نحو أشمل ضد جميع سكان قطاع غزة.

ويطالب الأورومتوسطي المجتمع الدولي بالتدخل الفوري والجاد لحماية المدنيين الفلسطينيين من جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في القطاع منذ أكثر من خمسة أشهر، بما يشمل حماية المرضى والجرحى والنازحين والطواقم الطبية والصحافيين، واستخدام وسائل الضغط الحقيقية لإجبار إسرائيل للتوقف عن جرائمها الخطيرة والمستمرة هناك، بما في ذلك جريمتها ضد مستشفى الشفاء وجميع المنشآت الطبية، وجريمتي التهجير القسري والتجويع، وضمان امتثالها للقانون الدولي ولقرار محكمة العدل الدولية.