جنيف- أدان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بشدة استباحة القوات الإسرائيلية بلدة يعبد جنوب غربي محافظة جنين شمالي الضفة الغربية، وارتكاب انتهاكات مركبة تندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي بموجب قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

ووفق متابعة الأورومتوسطي؛ تشهد بلدة يعبد منذ فجر يوم الثلاثاء الموافق 12/5/2020 سلسلة من الانتهاكات الجسيمة بحق السكان المدنيين على يد القوات الإسرائيلية.

وذكر المرصد الحقوقي الدولي -مقرّه جنيف- أنّ الاعتداءات الإسرائيلية جاءت تكريسًا لسياسة العقاب الجماعي بعد إعلانها مقتل أحد الجنود الإسرائيليين بعد استهدافه بحجر ألقي من سطح إحدى البنايات خلال حملة دهم واعتقال نفذتها القوات الإسرائيلية فجرًا في بلدة يعبد.

ورصد الأورومتوسطي 10 أنماط من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية منها الاستخدام المفرط للقوة، وترويع المدنيين خلال عمليات الاقتحام، وتخريب محتويات المنازل، واحتجاز المدنيين بما في ذلك عائلات بأكملها، والحط من الكرامة الإنسانية، والتعذيب، والمعاملة غير الإنسانية، والاعتقال، وحصار البلدة فضلًا عن سياسة العقاب الجماعي.

ووفق حصيلة أولية غير نهائية؛ اعتقلت القوات الإسرائيلية نحو 26 مدنيًا فلسطينيًا، منهم امرأتان، و6 أطفال، وأصابت 3 آخرين بجراح، أحدهم بالرصاص و2 بالأعيرة المعدنية، فضلًا عن إصابات العشرات بحالات اختناق.

الاقتحام الأول

وبحسب متابعة الأورومتوسطي؛ بدأ الاقتحام الأول للقوات الإسرائيلية للبلدة عند الساعة الثالثة فجر الثلاثاء، تخلله إطلاق نار وقنابل غاز وصوت بكثافة لترويع المدنيين الفلسطينيين، مع شن عمليات دهم واسعة للمنازل السكنية، والتنكيل بسكانها، واحتجازهم في العراء أو غرف منازلهم، واستمر ذلك 4 ساعات كاملة، اعتقلت خلالها القوات أربعة مدنيين، وهم: يزن وأنس كامل أبو شملة، 22عامًا، و23عامًا، ومرسيل باسم لطفي ابو بكر،22 عامًا، وعلي محمد نظمي ابو بكر، 21عامًا.

وفي أعقاب انسحابها من البلدة، أعلنت القوات الإسرائيلية مقتل أحد جنودها نتيجة استهدافه بحجر في رأسه خلال عملية دهم المنازل في البلدة.

الاقتحام الثاني

وعند حوالي الساعة 8:15 صباحًا، بدأت القوات الإسرائيلية اقتحامها الثاني، بمشاركة أعداد كبيرة من الآليات، في عملية واسعة أخذت شكل الانتقام والعقاب الجماعي. ورافق عملية الاقتحام إطلاق نار وقنابل غاز مسيلة للدموع وأخرى صوتية بكثافة في شوارع البلدة وبين منازلها، وتجاه المدنيين الذين تجمعوا احتجاجًا على الاقتحام، وجابهوه برشق الحجارة. واعتلى الجنود أسطح المنازل، خاصة في حي السلمة، وانتشروا بشكل واسع في البلدة.

واقتحمت القوات الإسرائيلية منزلّا تدعي أن الحجر ألقي منه تجاه الجندي القتيل، وعلى مدار نحو 6 ساعات من عمليات الاقتحام في المنزل، والمنازل المجاورة، ارتكبت تلك القوات أنماطًا عديدة من الانتهاكات، أبرزها الحط من الكرامة الإنسانية، والمعاملة اللاإنسانية، والتعذيب، والاعتقال الجماعي الذي تخلله التنكيل.

وبحسب ما رصده فريق الأورومتوسطي؛ اعتقلت القوات الإسرائيلية سكان المنزل بالكامل من عائلة عصفور وهم 14 فردًا، عبارة عن 4 أسر، مع أبنائهم، وضمنهم امرأتان و6 أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 – 17 عامًا، وضمنهم فتاتان. ولم يبق في المنزل إلاّ الأطفال الصغار الذين تقل أعمارهم عن 10 سنوات.

وأفادت إحدى قاطنات المنزل أنّ قوات إسرائيلية كبيرة اقتحمت المنزل بطريقة عنيفة، واحتجزت كل عائلة في غرفة من غرف المنزل، ومن ثم بدأت باستدعائهم واحدًا تلو الآخر للتحقيق الميداني المنفرد، وخلال ذلك قيّدوا الرجال واعتدوا على أحدهم حتى سالت منه الدماء. وأضافت أن القوّات حاولت اعتقالها لكنّ أغمي عليها لأنها تعاني من ارتفاع في ضغط الدم والسكر، وبيّنت أن المنزل لم يبق فيه سوى الأطفال دون الـ 10 سنوات.

كما داهمت القوات الإسرائيلية العديد من المنازل الأخرى في المنطقة واعتقلت ما لا يقل عن 4 مدنيين بينهم الصحفي محمد أبو بكر.

وانسحبت القوات الإسرائيلية عند حوالي الساعة 1:00 مساءً، بعد أن أصابت 3 مواطنين بجروح، أحدهم بالرصاص و2 بالأعيرة المعدنية، والعشرات بحالات اختناق، وألحقت أضرار بسيارة، واقتادت المعتقلين معها.

الاقتحام الثالث

وعند حوالي الساعة 7:30 مساء الثلاثاء (بالتوقيت المحلي)، وبالتزامن مع موعد الإفطار، اقتحمت قوات إسرائيلية ترافقها جرافتان عسكريتان البلدة للمرة الثالثة خلال أقل من 15 ساعة، وداهمت عدة أحياء فيها، خاصة حي السلمة، وسط اندلاع مواجهات مع الأهالي أطلق خلالها الجنود الأعيرة النارية وقنابل الغاز المسيل للدموع، والصوت.

كما شرعت القوات الإسرائيلية بإغلاق الطرق الفرعية المؤدية للبلدة، ما يعني فرض حصار محكم عليها. ولا تزال العملية الإسرائيلية مستمرة حتى إعداد هذا البيان.

الموقف القانوني

إذ يتابع الأورومتوسطي استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في البلدة؛ فإنه يشير إلى أن عمليات إغلاق الطرق والمداهمات والاعتقالات الجماعية؛ تدلل على توجه القوات الإسرائيلية إلى تصعيد اعتداءاتها وتحويل أكثر من 30 ألف نسمة إلى رهائن لانتقامها وسياستها التي تنتهك قواعد القانون الدولي.

ويؤكد الأورومتوسطي أنّ الممارسات الإسرائيلية تنذر بتداعيات إضافية على الواقع الإنساني الصعب الذي تشكل في ظل جائحة كورونا، كما أنها تشكّل ثغرة إضافية في جهود مواجهة الوباء العالمي، فضلًا عن مخالفة ما تنفذه تلك القوات من اعتداءات لمعايير القانون الدولي الإنساني.

 ويشير الأورومتوسطي إلى أنّ عمليات الاعتقال والتنكيل الجماعي فضلا عن حصار البلدة، واصطحاب الجرافات الذي يشير إلى وجود نية لتنفيذ عمليات هدف تحمل الصبغة الانتقامية، كل ذلك يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي ضد المدنيين الفلسطينيين.

وبهذا الصدد يذكّر أنّ المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب، تحظر العقاب الجماعي وتنصّ صراحة على ما يلي: "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور. تحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم".

ويشدّد الأورومتوسطي أنّ الانتهاكات الإسرائيلية تندرج ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، التي أكدت مدّعيتها العامة قبل أيام امتلاك المحكمة الولاية القضائية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وبالتالي نجدد الدعوة للمحكمة من أجل فتح تحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية وضمنها جريمة العقاب الجماعي.

كما أنّ تنفيذ قوات الجيش الإسرائيلي حملات الدهم والاقتحام للمنازل في ساعات الفجر، ووقت متأخر من ساعات الليل، بما يسببه ذلك من حالة الفزع لدى السكان خاصة الأطفال والنساء منهم؛ ينتهك قواعد التعامل مع المدنيين، ويشكل مخالفة صريحة للمادة 12 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسانالتي تنص أنه "لا يجوز تعريضُ أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته".

خلفية

تقع بلدة يعبد على مسافة 18 كم إلى الغرب – الجنوب الغربي من جنين، وهي ذات موقع أثري يحتوي على أساسات ومدافن وصهاريج منقورة في الصخر وقطع معمارية قديمة. وتقع البلدة فوق ربوة متوسطة الارتفاع من جبال جنين ترتفع نحو 380م عن سطح البحر. وتنحدر أراضيها تدريجيا نحو الغرب.

وتقع على أراضي البلدة 7 مستوطنات هي: "مابودوثان 1"، و"مابودوثان 2"، و"حرميش"، و"شاكيد"، و"حنانيت"، و"ريحان"، و"تل منشيه". كما يعزل جدار الضم والتوسع العنصري ما يزيد عن 20% من أراضيها، عدا عن الشوارع الالتفافية التي تعزل آلاف الدونمات".

ويبلغ عدد سكان بلدة يعبد وقراها أكثر من 30 ألف، وتضم 11 قرية، منها أربع قرى داخل الجدار وهي: برطعة، وخربة عبدا لله اليونس، وظهر المالح، وأم الريحان، وخربة الردعية، والتي تحتوي محمية "عمرة"، أكبر محمية طبيعية في الأراضي الفلسطينية.